القوى الخفية للإشارات غير اللفظية

هَب أنك قابلتَ شخصين لم يسبق لك لقاؤهما، وكان أحدهما يلقى استحسانًا واستلطافًا من قِبل الناس أكثر من الآخر، فهل موقفك تجاه الشخصين سيتأثر تبعًا لمواقف الناس تجاههما؟

في دراسة أجرتها جامعة نورث وسترن سعت بها إلى الوقوف على ما إذا كان من الممكن تكوين مواقفَ تجاه الآخرين مبنية على الإشارات غير اللفظية الموجَّهةِ إليهم.

تقول أليسون سكينر، والتي تشغل حاليًا منصب أستاذ مساعد في جامعة جورجيا، والتي عملت سابقًا كباحثة في جامعة نورث وسترن، تقول: «إنه أمرٌ في غاية الأهمية، وكوننا لا نفكر صراحةً في الإشارات غير اللفظية التي يصدرها الناس. وبالتالي فإن في وسعنا التقاط رسائل من الإشارات غير اللفظية في محيطنا، تلك الإشارات التي ليس لنا دراية أو وعي بها حتى».

وهذا ما كشف عنه الباحثون بعدما عرضوا مقطعًا قصيرًا لفيديو صامت على مجموعة من الأشخاص، حيث يُظهِرُ الفيديو عددًا من الممثلين تدور بينهم أحداثٌ معينة. وبعد انتهائهم من المشاهدة، وجد الباحثون أن المُشاهدين قد كوّنوا مواقف تجاه الممثلين مبنية على الإشارات غير اللفظية المعروضة عليهم. الأمر الذي أثبت صحة أن الإشارات غير اللفظية التي كان المُشاهدون على وعي بها قد أثَّرت على مواقفهم تجاه الممثلين، إلا أن ذلك لا ينفي تأثيرها على مواقفهم الضمنية (التي لا وعي لهم بها).

توضح سكينر ذلك بالقول: «يدل ذلك على أن المُشاهدين تعجَّلوا ربط السمات الجيدة بأولئك الممثلين الذين تلقوا إشارات غير لفظية إيجابية، على عكس الممثلين الذين تلقوا إشارات غير لفظية سلبية. وما أثار اهتمامنا هو عدم إدراك المُشاهدين لحقيقة تأثير تلك الإشارات غير اللفظية على مواقفهم الشخصية تجاه الممثلين، إلا أن 30% منهم صرَّحوا بأن مواقفهم تأثرت بالطريقة التي عُومِلَ بها الممثلون في الفيديو».

إنها حقيقة مثيرةٌ للدهشة! كيف أن مواقف الناس تُعزى في الغالب إلى «سلوك» من توجهُّ إليه الإشارات غير اللفظية!

علمًا بأننا قمنا بتعديل مقطع الفيديو، وحرصنا على أن يستجيب الممثلون لجميع الإشارات غير اللفظية بالطريقة ذاتها، سواء أكانت سلبية أو إيجابية، كما حرصنا على تنوع الإشارات غير اللفظية التي يتلقاها الممثلون. ومع ذلك عَزَت نسبةٌ كبيرة من المشاهدين مواقفها تجاه الممثلين إلى سلوكهم!

كشفت هذه التجربة النقاب عن كيفية إدراكنا للرسائل غير اللفظية التي نتعرض لها في حياتنا اليومية. إذ يمكننا القول، وبناءً على نتائج الدراسة، إننا إذا ما قابلنا شخصًا لا يستلطفه الآخرون، فإننا غالبًا ما نحكم على الأول بالمثل، معتقدين بأنه «يبدو شخصًا غير لطيف»! والحقيقة أن موقفنا هذا قد تأثَّر بموقف الآخرين.

وتتبع سكنر قائلةً: «قد يكون لهذه الدراسة صلة بالتحيز للجماعة. فقد استندت دراستنا هذه على دراسةٍ سابقة أظهرت أن المواقف تجاه المجموعات العرقية قد تتأثر بالإشارات غير اللفظية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، إذا صادفَ ذوو البشرة البيضاء ذوي بشرة سوداء يتعرضون لإشاراتٍ غير لفظية سلبية من قِبَلِ ذوي بشرة بيضاء آخرين، فإنهم يميلون إلى إظهار مزيدٍ من التحيز ضد السود. بخلافِ ذوي البشرة البيضاء الذين يصادفونَ سودان توجَّه إليهم إشارات غير لفظية إيجابية».

ترى سيلفيا بيري – وهي كاتبة مشاركة في الدراسة – أن الإشارات غير اللفظية التي يتعرض لها الناس تساهم في حِياكةِ مواقفهم تجاه الغرباء، حتى في المناسبات التي تكون فيها مواقفنا تجاه الآخرين محايدة في البداية.

أما بيري، أستاذ مساعد في علم النفس في كلية وينبرغ للفنون والعلوم في نورث وسترن وأستاذ مشارك في معهد الجامعة لأبحاث السياسات، فيقول: «أزعُمُ أن للدراسة وَقعًا مهمًا على فهمنا للكيفية التي نُكوّنُ بها تحيزاتنا تجاه الجماعات الاجتماعية منذ طفولتنا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد