تابعنا جميعًا باهتمام كبير جذوة الغضب الفرنسية ضد سياسات ماكرون الخاصة بالضرائب على المحروقات، والتي بدأت بخطاب سيدة غاضبة وانتهى بآلاف الفرنسيين في الشوارع مرتدين ستراتهم الصفراء، لم تكن جذوة هادئة أو طبيعية بل كانت عنيفة متلاحقة الأحداث وصل لهيبها للعاصمة باريس حتى أن قوس النصر الشهير قد تعرض لخسائر قدرت قيمة إصلاحها بمليون يورو دفعة واحدة!

ظل ماكرون في بداية الأمر عنيدًا متصلب الأمر وأمر قطعان الشرطة بالتصدي للمتظاهرين بقوة مما نتج عنه مشاهد العنف المفرط التي تابعناها جميعًا بالإضافة إلى الاعتقالات بالمئات لكن لم يدم هذا التصلب كثيرًا فسرعان ما أعلن ماكرون نيته تعليق الضرائب ثم انتهى إلى إلغاء الضريبة تمامًا كأن لم تكن!

وهنا ظهر علينا العديد من «المنبهرين» بالحضارة الغربية المزعومة يشيدون بطول نفس الفرنسيين وإصرارهم على تحقيق مطالبهم بل وتكلم نفر منهم عن رقي الشرطة الفرنسية التي رفض بعض أفرادها التعرض للمتظاهرين (رغم أننا جميعًا شاهدنا غير ذلك) بل وجنح البعض ليصف الفرنسيين أنهم «أجدع» من العرب الذين فشلت ثوراتهم ولم يحصلوا منها على شيء!

والحقيقة أنني أتعجب أيما تعجب من هذه المقارنة الظالمة إذ كيف يقارن أحد بين أسبوعين أو أقل من هبة جماهيرية محدودة تجاه قرار اقتصادي لرئيس وزراء هو جزء من نظام راسخ متجذر لا يمثل ماكرون فيه إلا موظفًا يؤدي دوره لفترة قصيرة ثم يرحل عنه بثورات شارك فيها ملايين الناس على مدار سنين طويلة ضد أنظمة تختزل نفسها في شخص الرئيس او المجلس العسكري، كيف تقارن خسائر تقدر بمئات الآلاف من الأرواح وأضعافهم من المعتقلين وملايين المشردين وآلاف الجرحى ومئات القرى والمدن التي سويت بالأرض في ثورات مستمرة على مدار ما يزيد عن السبع سنوات بخسائر قد لا تتعدى بضع عشرات من الجرحى والمعتقلين الذين يفرج عن معظمهم في نفس اليوم! ودعوني هنا أذكر إحصائية عن خسائر ثورة واحدة وهي الثورة السورية في تقرير نشرته «الجزيرة نت» في مارس (آذار) الماضي أقتبس منه الآتي:

«حسب البنك الدولي في تقرير له في يوليو (تموز) الماضي بلغ إجمالي خسائر الاقتصاد السوري نحو 226 مليار دولار وأن حوالي 27% من مجموع الوحدات السكنية قد دمرت أو تضررت جزئيًا، ويتحدث البنك الدولي عن تقديرات تفيد بأن ستة من بين كل 10 سوريين يعيشون الآن في فقر مدقع حسب أرقام النظام السوري نفسه في أحدث إحصائية له فإن 67% من قدرة سوريا الصناعية دمرت بشكل كامل ناهيك عن القطاع الزراعي وخسائره التي بلغت 25 مليار دولار والقطاع السياحي وقيمة خسائره نحو 14 مليار دولار حسب دراسات منظمات أهلية متخصصة في القطاع الصحي بلغت خسائر هذا القطاع نحو 12 مليار دولار واستنزفت أكثر من 70% من أطباء البلد الذين تعرضوا للتهجير أو القتل والاعتقال كما بلغ عدد المشافي التي دمر كثير منها بقصف طائرات النظام ما يقارب 38 مستشفى 450 مركزًا طبيًا وصحيًا معطلًا بالكامل ووفق إحصائيات نقلتها هيومان رايتس ووتش عن البنك الدولي العام الماضي فإن عدد القتلى في سوريا زاد عن 400 ألف شخص إضافة إلى 5 ملايين لاجئ و6 ملايين نازح 540 ألف شخص يعيشون في مناطق محاصرة أما قطاع التعليم وخسائره حدث ولا حرج حسب يونيسيف فإن مليونين و800 ألف طفل سوري في سوريا ودول الجوار لا يستطيعون الحصول على فرصة التعليم كما لم يعد بالإمكان استخدام أكثر من 6 آلاف مدرسة وانخفضت نسبة الالتحاق بالمدارس إلى 74% وتقدر خسائر هذا القطاع بنحو 400 مليون دولار أمريكي»

هذه خسائر ثورة واحدة لم تنته خسائرها بعد، وحدث ولا حرج عن ثورة مصر التي سقط فيها في يوم واحد ما يقارب 800 شهيد في 5 ساعات حسب إحصائيات هيومن رايس ووتش وأكثر من 2000 حسب إحصائيات المعارضة، ناهيك عن الذين سقطوا منذ جمعة الغضب وحتى تاريخه دون التطرق لمئات آلاف المعتقلين والأموال المصادرة وحرق البيوت والاعتداءات الجنسية على النساء ثم عرج على اليمن التي لم تنته فيها الثورة بعد يخرج فيها اليمنيون من مستبد لآخر يدفعون في مقابله آلاف آلاف التضحيات ولا تنسى ليبيا وما فعله القذافي بأهلها حتى إن أقل الثورات تكلفة من حيث الضحايا وهي ثورة تونس تفوق ما حصل في فرنسا بأضعاف المرات.

مما لا شك فيه أن مقارنة الفرنسيين بالعرب والمسلمين في ثوراتهم غير ممكنة الحدوث أصلًا وفيها ظلم وتسفيه لتضحيات تعتبر الأعلى في العصر الحديث فأنت إذا أردت عقد هذه المقارنة فانظر لسلوك النظام الفرنسي إن تم تهديده بشكل حقيقي وانظر عندها للرصاص الحي وهو يفجر الرؤوس والأجساد، والطيران وهو يدك المدن ثم قارن بعدها بين صبر هؤلاء وجلدهم وصبر هؤلاء وجلدهم حتى تكون مقارنة سليمة في محلها تستخلص منها نتائج صحيحة وتبقى الثورات العربية حتى الآن دليلًا على صبر وجلد وشجاعة منقطعة النظير ولم نرى مثلها اللهم إلا في أفغانستان الذين يقاتلون من أجل الحرية منذ سبعينيات القرن الماضي وما زالوا دون أي إشارة لتعب أو وهن أو استسلام.

ترد المقالة على مقولة انتشرت تفيد بأن الفرنسيين «أرجل» من العرب في الحراك الثوري.

المصادر

بالأرقام.. خسائر سوريا جراء الحرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد