كان وجودي في مصر قبل ثورة يناير بسنوات حيث أقيم وأعمل هناك، وكانت مصر وقتئذ مفتوحة لغالبية الجنسيات العربية أو ميسر الدخول إليها باستثناء العراقيين والفلسطينيين، وعندما قامت ثورة يناير وسقط رأس النظام كانت سورية بعد شهر وأيام قلائل على موعد مع ثورة حسبها الناس أنها ستسير على منوال تونس ومصر أو في أسوأ الحالات كليبيا..

كانت سورية مختلفة في كل شيء قبل أن تكون ثورتها كذلك، فهي الدولة العربية السنية الوحيدة التي يحكمها نظام طائفي أقلوي، قتل من شعبها الآلاف وشرّد عشرات الآلاف، وغّيب الآلاف، وورّث الحكمَ، واستمرَ نظامًا شرعياَ بنظر العالم أجمع!

حين قامت الثورة كانت مصر تحت حكم المجلس العسكري، وبدأ توافد السوريين حتى ازداد في عام 2012 لا سيما من حمص والغوطة فضلًا عن تدفق رجال الأعمال وهم يحملون معهم أرقامًا كبيرة من الدولارات، وظلت مصر مفتوحةً للسوريين وعُقدت في القاهرة مؤتمرات سورية عدة، وكان السوريون يلقون كل محبة وتقدير من شعب مصر المسلم الأصيل .

في منتصف 2012 وبعد جولتين فاز مرشحُ الحرية والعدالة الدكتور د. محمد مرسي بنسبة تقارب 52% وهي إشارة على أن ثمة ديمقراطيةً حقيقة قد حصلت .

بعد وصول الرئيس مرسي ارتفع النهج الثوري، وشعر السوريون أن ثمة ظهيرًا لهم، وأي ظهير؟ إنها مصر قلب الأمة الإسلامية، والحامل الطبيعي في القرون الثلاثة الفائتة للعلم والفكر والعلوم الإسلامية، وهي إلى جانب ذلك مركز فكري في بقية الفنون السياسية والفكرية التي أثّرت في العرب في المئة عام الماضية..

بعد وصول الرئيس مرسي كان قرار معاملة السوري كالمصري في مجالات التعليم المختلفة من الابتدائي حتى الدراسات العليا، وكذلك تمّ تقديم مقر للائتلاف، وكان صوت مصر عاليًا في الإعلام الرسمي في الوقوف مع الثورة السورية .

شعر السوريون أن ثمة دولة شقيقة قولًا وفعلًا تقف إلى جانبهم فازداد تدفق اللاجئين، وأحاط المصريون السوريين حبًا وعطفًا، وهنا تحسنت أسعار إيجارالشقق السكنية والبيوت وظهرت محلات السوريين المتنوعة وأبدع السوريون كعادتهم، وازدهرت مناطق اقتصاديًا كانت قبيل مجيء السوريين لا حياة فيها!

قبل ثلاث سنوات مضت كان تجمع ماعُرف بثورة ثلاثين يونيو، وهو اليوم الذي يُصادف ذكرى وصول أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، هو الرئيس مرسي، ويكون بذلك قد أتمّ عامه الأول، وقد ذكرنا أنّ الدعوة قادتها حركة تمرد التي كان مؤسسها محمود بدر من أتباع تيار حمدين صباحي ومن مؤيدي حزب الله والنظام السوري، وقد سبق له لقاء نصر الله في بيروت. لم تكن حركة تمرد وحدها في ميدان التحرير، بل كانت هناك جبهة الانقاذ التي تضم الخاسرين في استحقاقات الرئاسة، ومعهم الكتلة الصلبة من الأقباط، وكل من يعادي التيار الإسلامي .

كانت القوات العسكرية قد هيأت كل الظروف لتجمع هؤلاء حتى كان فن الفوتشوب والإخراج التلفزيوني الذي أشرف عليه المخرج خالد يوسف حاضرًا بقوة، كما كانت كل عوامل تغيير الرأي العام قد آتت أُكلها، وذلك من خلال خلق أزمات في الكهرباء والوقود، وتخويف الناس من فقدان الأمن، وبروز ظاهرة سرقة السيارات، وكانت الآلة الإعلامية الضخمة من قنوات عرفت بكرهها لحكم مرسي تعمل قبل ذلك على مدى أشهر على تشويه صورة الرئيس وحزبه وبث الإشاعات التي بدت كثير منها أنها أسخف من أن تصدق كبيع الهرم لقطر، والتنازل عن سيناء للفلسطينيين، وأخونة الدولة، وقصص كثيرة! صوّر الإعلام أنّ حشودًا كبيرة تملأ ميدان التحرير تصل إلى ثلاثين مليونا من المتظاهرين! ومن يعرف ميدان التحرير يُدرك أن الميدان لا يحتمل مئتين وخمسين ألفًا حتى في الفروع المؤدية إليه بشريطة أن يقف المتظاهرون صفوفا متراصة!

في الوقت نفسه اختار أنصار الشرعية ميداني رابعة والنهضة في حشود تزيد على تلك الحشود التي ركّز الإعلام عليها، بل وصل الأمر أن نقل الإعلام من تلك الحشود على أساس أنها حشود مؤيدة لإسقاط نظام الرئيس مرسي!

كانت هذه القنوات قد نشأت في جلّها بعد ثورة 25 يناير وقد تم تمويلها من أموال خليجية باستثناء بعض القنوات التي كانت موجودة قبل ذلك كالأون تي في المملوكة لسويرس والذي ادعى أنه باعها قبل 30 يونيو لرجل أعمال تونسي، كذلك الحياة التي يملكها رجل الأعمال سيد البدوي رئيس حزب الوفد الجديد، والمحور المملوكة لرجل الأعمال حسن راتب .

لم يكن السوريون جزءًا من أي حراكٍ حصل في مصر، حتى يتم اتهامهم أنهم من جماعة رابعة كما روج الإعلام المصري، بل إنّ قسما من الشباب السوريين ذهبوا إلى التحرير وكانوا يتفرجون على تجمع المعارضين للرئيس مرسي!

والسؤال لماذا تمّ اتهام السوريين أنهم متجمعون في رابعة، وأن عناصر من الجيش الحر وحماس قد تم الاستعانة بهم؟ ولماذا تم إرهاب السوريين في الإعلام ومن ثم تم الإغلاق عليهم؟

بعد التجمع في ميدان التحرير وحماية الجيش وقوى الأمن للمتظاهرين، كان خطاب الرئيس مرسي الخطاب المطول الذي أوضح فيه كثيرًا من القضايا، ولكن كان يبدو أن السيف قد سبق العذل فقد تم التحضير للانقلاب بأموال عربية وبغطاء أمريكي، وكانت تمثيلية 30 يونيو ذريعةً لذلك أي أن ثمة ثورةً شعبية في مصر وواجب القوى المسلحة أن تمنع دخول البلاد في احتراب أهلي! جاء خطاب وزير الدفاع محذرًا القوى السياسية بمهلة 48 ساعة أن تحل مشكلاتها بعيدًا عن هذا الشعب المسكين الذي لم يجد من يحنو عليه!

اختفى الرئيس، وظهر وزير الدفاع في 3-7 محاطًا بشيخ الأزهر وبابا الكنيسة والبرادعي وعدد من ممثلي الأحزاب المناوئة للرئيس حيث تم عزل الرئيس وتعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا مؤقتًا لمصر، مع تعطيل العمل بالدستور ووضع خارطة طريق كان الرئيس مرسي قد ذكرها حرفيًا في خطابه!

بعد الانقلاب كان الإعلام يوجه التهمَ للسوريين ولحماس الفلسطينية، حيث الحديث عن عناصر من الجيش الحر جاءت لميدان رابعة، وكذلك مقاتلين من حماس، وأن أزمة الكهرباء السابقة سببها أن الكهرباء تُعطى لغزة وأزمة الوقود سببها تهريب البنزين لغزة ما أدى لأزمة وقود في مصر، علما أن غزة بسكانها أقل من حي من أحياء القاهرة البالغ سكانها نحو خمسة وعشرين مليون نسمة!

نعود للسؤال الذي طرحناه: لماذا تمّ اتهام السوريين أنهم متجمعون في رابعة، وأن عناصر من الجيش الحر وحماس قد تم الاستعانة بهم؟ ولماذا تم إرهاب السوريين في الإعلام ومن ثم تم الإغلاق عليهم؟

واقع الحال أن ما حصل ليس شأنًا مصريًا خاصًا كما يظن من يراقب الأحداث، بل كانت ثورة مضادة على ثورات الربيع العربي ككل، وهذا ما سيتبدى فيما بعد في أثرها على ليبيا وتونس وسورية وخنق غزة والتهديد باجتياحها!

ركزّ الإعلام كما ذكرنا على السوريين، وبعد الانقلاب بثلاثة أيام أُعلن عن فرض الفيزا والموافقة الأمنية على السوريين، وكذلك إعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري! هنا نقف أمام أمر مهم جدًا حيث دخل حزبُ الله في معركة القصير ضد الجيش الحر، فألقى الرئيس مرسي كلمة في حشد ضخم في استاد القاهرة قائلا «لا مكان ولامجال لحزب الله في سورية، ولبيك ياسورية»، وأمر بقطع العلاقات مع النظام السوري، وهذا في 15-6-2013 أي قبل الانقلاب بأسبوعين، وبعد أن تمَّ منع دخول السوريين وإعادة العلاقات مع النظام السوري بدأت حملة تشويه وإرهاب السوريين، ولكي يستمر مسلسل الكذب عن أن عناصر من الجيش الحر دخلت مصر، فقد قام الأمن المصري بمداهمة منزل الفنان السوري حسام ملص، وقد أخرجوا من بيته بذلة عسكرية للجيش الحر، وفي حقيقة الأمر أنّ الفنان ملص كان قد قدّم عملًا عن الثورة السورية، ومنها مقطعٌ له بزي الجيش الحر! وقد تصدر ذلك توفيق عكاشة متهمًا السوريين بأنهم عملاء وأنه سوف يتم حرق بيوتهم في أماكن سكناهم في مصر، وتوفيق عكاشة معروف بأنه لسان أجهزة الأمن، وقد تمّ استخدامه في قضايا كثيرة علمًا أنه – أي توفيق- من أسرة مرتبطة عضويًا بالخيانة والعمالة لإسرائيل فخاله أشهر ضابط أمن مصري كان يعمل جاسوسًا لإسرائيل وهو فاروق عبد الحميد الفقي .

بعد الانقلاب بدأت معاناة جديدة للسوريين، حيث أُغلقت عليهم بلد كانت بالنسبة لهم سورية أخرى، وفرضت عليهم الإقامة، وهي غير متيسرة لمن ليس عنده أولاد بالمدارس، وأصبح ذل السوري أمرًا معتادًا أمام سفارة النظام، فأي ورقة يحتاجها السوري لا بدّ من مراجعة السفارة مع تحمل الإذلال من موظفيها، حتى بات المواطن يقف من صلاة الفجر لأجل معاملة، كذلك باتت بابَ ارتزاقٍ للنظام حيث تتم المعاملات بالدولار ومن نوع الإصدار الجديد! وهنا بدأت قوارب الموت حيث يركب السوريون من شواطئ مصر لشواطئ إيطاليا في مغامرات أودت بحياة آلاف السوريين .

ولم يعد دخول السوري ممكنًا بل بات عليه دفع مبلغ يتراوح بين 2000- 3000 دولار حتى يتحصل على فيزا دخول لبلد كانت يومًا ملاذًا آمنًا للسوريين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السوريون
عرض التعليقات
تحميل المزيد