انسحاب القوات الروسية الأساسية من سوريا, وجلوس روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على طاولة المفاوضات ليست مفاجأةً؛ فبقاء الوضع الحالي يضر بكل الأطراف كما توقع الكثيرون؛ فأعداد النازحين السوريين في ازدياد دائم – مما يضع عبئًا على حلفاء الولايات المتحدة – مع شدة العمليات الإرهابية في بروكسل، ومن قبلها فرنسا، والتخوف من انتقال داعش بشكل موسع على الأراضي الأوروبية, والنظام السوري في آن لم يستطع السيطرة على كامل أراضيه، ومكافحة تنظيم داعش، رغم مساعدة الحلفاء له.

 

لم تتمتع سوريا بتاريخ هادئ، طوال عقود،  تاريخها يوصف بأنه على صفيح ساخن في معظم الفترات, شعب تناثر في أرجاء المعمورة،  ليس مرة واحدة، ولكن أكثر من مرة. فمشهد شحن المهاجريين السوريين في حاويات, و خوضهم رحلات الموت على سواحل الشواطئ  بحثًا عن وطن جديد، لم تكن بدايته  في 2014، ولكن  بدأت  مع بدء السفر «برلك»!

في البداية  «السفر برلك» عبارة تركية مركّبة يقصد بها التعبئة والتأهب للحرب، وتسفير الجنود إلى ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت في آب/أغسطس 1914, وانتهت بعقد الهدنة في 31 تشرين الأول/أكتوبر سنة 1918 ميلادية .

وأدت ظروف الحرب إلى انهيار اقتصادي كامل، فانتشر الفقر الشديد والجوع، لا سيما في بلاد الشام, وصار ثمن رغيف الخبز يساوي حياة إنسان أو شرف امرأة, فاضطر الناس في البلدان التي تشملها سورية الكبرى حاليًا، أي: «سورية, لبنان, فلسطين, الأردن» فضلًا عن العراق إلى الهجرة؛ إما فرارًا من التجنيد الإجباري والقمع السياسي الذي جسدته – على سبيل المثال مشانق جمال باشا السفاح في بيروت ودمشق عام 1916 – وإما بحثًا عن الطعام ومتطلبات الحياة. وهكذا بدأت أكبر هجرة إلى خارج المنطقة.

الجالية الشامية فرت إلى مصر منذ عهد إسماعيل باشا من ظلم الحكم التركي في الشام وخنقه للحريات وتضييقه على إنتاج المطابع والفكر. فكونوا جالية في مصر على درجة كبيرة من النفوذ، خصوصًا المسيحيون منهم. وهذه الجالية لم تكن تستمد أهميتها من أعضائها، بل من المراكز التي كان يشغلها أفرادها، فكان معظمهم من الطبقة العليا وكبار رجال الدولة.

واحتضن الاحتلال البريطاني السوريين؛ إذ رأى أنه ليس باستطاعته الاعتماد على المصريين من المسلمين؛ بحجة أنهم لا فائدة منهم في ذاك الوقت، ورأوا أن الأقباط لا يفضلون المسلمين إلا في القليل، ومن ثم فلم يبق أمامهم سوى السوريين، فهم موظفون أكفاء يتقنون لغتهم، ويقبلون أن يتعاونوا معهم، فسدوا الفراغ لهم. لذلك وصفهم اللورد كرومر في مذكراته: بأنهم «منحة من السماء» وأنهم «خميرة البلاد»، ووصلوا إلى أعلى المراكز الإدارية، وكان منهم المحاسبون والصحفيون والتراجمة والجباة والمرابون.

وازدادت أعداد السوريين أثناء فترة الحرب، فهاجروا إلى مصر هربًا من اضطهادات جمال باشا، ففي أقل من شهر وصل إلى الأسكندرية ثمانية آلاف منهم.

 

لم يكن النجاح الملحوظ للسوريين في البلاد التي رحلوا اليها بالجديد عليهم. أو كما عبرت  صحيفة «الإكسبريس» عن أحوال اللاجئين السوريين في مصر: «لقد نجحوا في التجارة والزراعة والصنعة. ففي الأسواق التجارية نجد أن السوريين في المقام الأول، فهذا سمعان الشهير، وسليم، وفي بورصة ميناء البصل وبورصة الأوراق في الأسكندرية يوجد التجار المشهورون من السوريين الذين نجحوا في تجارة الحبوب والأقطان وأسسوا لهم المراكز المالية الخطيرة، وفي الأشغال المالية البحتة نبغ السوريون وخصوصًا في إدارة المصارف والشركات، وكذلك في الزراعة ألفوا الشركات الزراعية حتى اشتغلوا بمهنة الخياطة وصناعة الأحذية والحلاقة والبقالة، وبالفنون الأدبية كأصحاب المطابع والمجلات والجرائد وأرباب المكاتب العمومية، وفي تجارة الخشب فقد نجح فيها عائلة كرم بسبب ارتفاع أسعار الخشب، وكذلك أسعد باسيلي تاجر الخشب الذي ربح الكثير، وكذلك الخواجة شكر الله الذي اشتغل في تجارة الحديد فربح في هذه الأيام بسبب ارتفاع أثمان الفحم والحديد وغيرهم وبأرباحهم اشتروا العقار والأطيان، وذلك بعكس الوطني الذي إذا صادفه شيء من الربح يبعثره في الحانات ومنازل الدعارة واقتناء المركبات».

هكذا  تحول السوريون من هاربين من جحيم الموت والجوع إلى أصحاب أملاك وأراض, ومرتبطين بالأماكن الجديدة التى رحلوا إليها حتى يومنا هذا.

 

في ظل تلكؤ كل أطراف المعادلة السورية للوصول لتسوية سياسية, يعتقد بعض المحللين السياسيين أن الذهاب إلى جينيف ربما هي آخر مرحلة في الصراع الدائر منذ خمسة أعوام, ويظن البعض أنها قد تكون تجديدًا للصراع. تصريحات هنا، وبلونات اختبار هناك, انفراج يأتي تتبعه انتكاسات, والطرف الأهم – الشعب السوري – الغائب عن المعادلة يبقى معزولًا، ليس له الحق في اختيار مصيره.

ويبقى السؤال: هل يمكن أن يعود السوريون مرة أخرى إلى بلادهم بعد ما شاهدوه من دمار وجوع وخوف وانقسام؟ وهل يمكن أن تحل الأزمة بالمفاوضات السياسية؟ وهل سينتهي الصراع برحيل الأسد، دون نظامه كاملًا بعد كل ما قاموا به دون محاسبة؟

حتى يحين موعد الإجابة عن تلك الأسئلة سيبقى الوضع كما هو عليه، وسيبقى السوريون في أماكنهم محاولين التأقلم على الأوطان الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العودة, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد