«هل من مزيد»! هو عنوان تدوينة قرأتها عن الحب، وكيف هو كالنار؛ كليهما يحتاج المزيد؛ كي يبقى، ويستمر، وإلا سينتهي. وذاك للأسف مصير الحب دائمًا، إلا إن استمرت النار، وهذا سبب ظاهرة «هيبتا» بين الكثيرين منا؛ فاهتمام الكثيرون بالرواية والفيلم، لم يكن لروعتهما فقط، بل للاشتياق لمعرفة مراحل الحب، وكيف نحافظ عليه؟

النار تبقى مشتعلة بالوقود، كذلك الحب، لكن ما هو أهم من الوقود، القادر على استمراره، هو أن تشتعل نار الحب رويدًا رويدًا؛ حتى تستمر وتبقى، حين قرأت ذاك المقال، لم أقتنع يومها، وكنت أرى أن الحب يأتي مشتعلًا، ويستمر دون أدنى تدخل، لكن الواقع دائمًا يختلف عما نراه حولنا.

فكان السؤال: كيف يبدأ الحب؟ هل هو نظرة، فابتسامة، فموعد، فلقاء؟ أهو غير ذلك؟ هل هو كما نراه حولنا، حياة كل ما فيها غزل، وورود، أم غير ذلك؟ لم لم أر يومًا حبيبًا يتشاجر مع حبيبته، وكل ما نراه هي العواطف فقط؟ هل هي كذلك الحياة، حينما يتوج ذاك الحب بالزواج، وتبدأ الحياة الفعلية؟ حين يتعلق وجداني بها، هل أعلن ذاك للمجتمع، أم يسره قلبي؟ ولم دائمًا ينظر المجتمع للمتحابين نظرة بها انتقاص، أو أنهما ارتكبا جرمًا!

لا أحد منا يعرف كيف يبدأ الحب؟ وما هو سببه؟ وكيف يسيطر على جوانبك؟ لكن أكثر ما يشغل بال كل منا، هو كيف يرانا المجتمع والناس، حين يعلن أي منا أن قلبه قد أصابه أحد سهام «كيوبيد»؟ فكان الرد يأتي: الأثر جعلني لا ألقي بالًا لما سيقوله الناس، وكيف سينظر لي المجتمع!

فقد قيل لأحدهم: إن ابنك قد عشق! فكانت إجابته: أيُّ بأسٍ به! إنه إذا عَشِق نَظُفَ، وظَرُفَ، ولَطُف! وقال غيره: العشق لا يصلح، إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة. أما «يحيى بن معاذ الرازي» حين قيل له: إن ابنك قد عشق فلانة! فقال «الحمد لله الذي صيَّرهُ إلى الطبع الآدمي»!

وحين بلغ أحد الأئمة في مجلسه أن ولده قد عشق، شكر الله،  وأردف قائلًا: الآن رقّت حواشيه، ولطفت معانيه، وملحت إشاراته، وظرفت حركاته، وحسـنت عباراته، وجادت رسائله، وجلّت شمائله، فواظب المليح، وجـنب القبيح! وأخيرًا، حين سئل أحد العلماء، هل سلم أحد من العشق؟ فقال «نعم؛ الجلف الجافي الذي ليس به فضل، ولا عنده فهم.

كل تلك المواقف جعتلني لا أخفي خفقان قلبي ولا أخشاه؛ فلا تسريب علي.

ما أهم من كل ذلك، هو كيف يبقى حب يرفع شعار «هل من مزيد؟» ليستمر ويبقى؟ ماهو السبيل لذلك المزيد، بعد أن تبدأ الحياة، وتصبح حبيبتك هي زوجتك؟ ماذا نفعل، بعد أن تنقضي لمعة البدايات؟ كيف يستمر الحب؟ رأيت على شاطئ الإسكندرية ـ بعد خطبتي بأيام ـ رجلًا وسيدة تتجاوز أعمارهما العقد السادس من الحياة، لكن كل من يراهما، يرى فيهما قصة عشق؛ فهي في يديها وردة، ويتقاسم كل منهما بضع لقيمات، والنظرات بينهما كلها دفء، حينها رأيت المعنى الحقيقي للحب والحياة. رأيت عبارة «هل من مزيد؟» تتجسد أمامي، وأكملت طريقي، وأنا أغبطهما حياتهما.

بعد أن وضع «كيوبيد» سهمه، وأصبح بين رحى القوس يستعد أن ينطلق، ويصيب قلبي، بدأ البحث: كيف يكون السبيل لحياة تبدأ بالحب وتنتهي بالحب؟ كيف تكون أساطير الحب عن «قيس وليلى»، «عنتر وعبلة» محض هراء؟ كيف يعتذر لي «شكسيبر»، ويقر أن «روميو وجولييت» ماهي إلا عبث؟ كيف يكون لدي المزيد، ويبقى؟ وبعد رحلة بحث وقراءة وجدت وجد الإجابة يتلخص في قوله تعالى:«وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً».

وجدت المعنى الحقيقي للحب في «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا – و- مَوَدَّةً وَرَحْمَة». حين ندرك معنى تلك الآية، ونفهمها نجد السبيل نحو «هل من مزيد؟»

وجدت الإجابة في كلمات كتبها الشيخ «محمد الغزالي» تلخص المعنى الحقيقي للعلاقة، وتصحبك نحو مزيد دائم، يبقى ويتجدد، فقال رحمه الله «فإذا نشأ عقد زواج بين مؤمن ومؤمنة، فإن هذا المعنى يتأكد، وتصبح العلاقة الجديدة، إخاء عقيدة، وشركة أعباء، وصحبة حياة، ووحدة هدف، وتجاوب ثقافة. المجتمع الوضيع هو الذي يفهم الزواج على أنه عقد انتفاع بجسد! أو يعرفه بأنه امتلاك بضع بثمن، أو يراه شركة بين رجل تحول إلى ضابط برتبة مشير، لديه امرأة برتبة خفير! أين الود والتراحم والشرف والوفاء؟»

يبقى الحب ويشتعل بالمزيد، حين ندرك أن كل منا لا يشبه الآخر، ولن يشبه كل منا الآخر، إن الاختلاف يجب أن يكسوه الود والتراحم والشرف والوفاء، ونعلم أن كلًا منا خلق لتكمل روحه الآخر، أن باختلافي واختلافنا نصنع التكامل بيننا. يبقى الحب وتتصاعد ناره كما علمتني هي «أن ينمو شيئًا فشيئًا»؛ كي يبقى دائمًا لدينا المزيد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مزيد
عرض التعليقات
تحميل المزيد