«هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا». «الإنسان :1»

يخبرنا علم الفيزياء أن الذرة يشغل أكثر من 99.999999999% من حجمها فراغ، وبما أن الذرة هي وحدة بناء المادة، إذن كل شيء مادي يحتوي على 99.9999999999% من حجمه فراغ، ويدخل في ذلك الجسد الإنساني أيضًا فهو له النسبة نفسها من الفراغ.

منذ عرفتُ ذلك وبدا الأمر بالنسبة لي عجبًا عجيبًا، أريد أن أتغنى بذلك، فأنا أعرف تلك النسبة التي يجهلها الكثيرون من زملائي وأترابي.

ثم تحول الأمر معي إلى خوف ورهبة، أهذا نحن تلك النانومترات، أهؤلاء هم البشر بما أنجزوه لو أمكن إزالة الفراغ من داخل ذراتهم لأمكن وضع 7 مليارات إنسان في حيز واحد سم3. إننا نظريًّا قد لا نساوي شيئًا، نحن إلى الفراغ أقرب من الوجود. أي أننا لو وضعنا على حالة مصمتة سنكون أقرب للخيال منا إلى الحقيقة، وهل تهتم يا صديقي بوجود تلك البكتريا التي تعيش على يديك على كل الأحوال وما تزال إلا لتتجدد، بالطبع لا تهتم بالرغم أن هناك المليارات منها، هل أقول لك شيئًا إن حجمك الطبيعي بدون الفراغ لن يساوي تلك واحدة من تلك البكتريا.

ثم أصبح الأمر عندي عظة أن هذا الكون كله لا يساوي شيئًا، وأن الله هو القوي المتين، الحكيم المدبر لكل شيء، واطمأن قلبي أن الله صمد، وأن هذا الكون لا يساوي شيئًا في ملكوت الله وقدرته. أنا لم أكن شاكًا في هذا – ولله الحمد- ولكن اطمأن قلبي على الحق، وتأكد الأمر بالنسبة لي أن الدنيا قد لا تساوي جناح بعوضة على الوجهين اللفظي والمعنوي، إذا اعتبرنا أن الدنيا هي حيز كل شخصٍ على حدا؛ أي أنّ الدنيا بمنظوري غير منظورك.

ثم تحول الأمر معي إلى زهد، فأصبح أي شيء مغرٍ بالنسبة لي أرجعه إلى أصله بأن أسحب منه الفراغ بمخيلتي، فإذا به ليس موجودًا.

وإذا تملكني الغرور فكل ما عليّ أن أسحب من نفسي ذلك الفراغ فأعود إلى ذلك الحجم الأساسي الذي لا يصل ولا يتعدى النانومترات القليلة، فأرى نفسي لا شيء فأغض الطرف وأستغفر الله وأعود كما كنت في حين من الدهر لم أكن شيئًا مذكورًا، و للحق أصبح الأمر يصيبني بالقوة في حالة الضعف، فأصبحت أرى ذوي النفوذ والسلطان كنانومترات، لا يضرون ولا ينفعون إلا بما قد قضاه الله.

إن مقاومة الشهوات والرغبات بتلك الحيلة البسيطة التي تجعل أعز الشهوات مجرد جزيء متناهي الصغر، تفضح لك زوالها وتفاهتها وانحطاط قيمتها وقيمة السعي وراءها، تلك الحيلة التي تجعل من جميلة الجميلات هواء كأنها لا شيء يذكر. تلك الحقيقة التي كشفت عن ضعف العالم وعجزه، عن متناه صغره، تجعلك تخضع بصورة كاملة للخالق العظيم، معلنًا بلسان حالك ولسان مقالك سبحان ربي الأعلى معترفًا بمقامه الأعلى ومقامك الأدنى.

بالطبع إن هذا الكلام مثالي أكثر من اللازم ومبالغ فيه بصورة كبيرة وإن شخصًا يعمل به حري بلقب مَلَك من الملائكة أو أفضل؛ لأنه تخلى عن تلك الشهوات رغم وجودها وعاش عيشة صوفي متنسك دائم الابتهال كثير الاستغفار.

فهو الخطأ قائم فينا -بني آدم- وقد أخطأ آدم فأخطأنا، وعصى فعصينا. ولكن تلك الحقيقة أردت أن أسوقها لكم ليتجرد لكم العالم على حقيقته وضعفه، لعلنا إذا أخطأنا عدنا وإذا رغبنا زهدنا وإذا ضعفنا تقوّينا وإذا دعينا إلى معصية أبينا، وإذا دعينا إلى طاعة لبينا، ولا شك أننا سننساق وراء شهواتنا وأنا أيضًا قيد عبودية الشهوات على عاتقي ما زال موجودًا -غفر الله لي ولكم- ولكن لعلنا في مرة نرفض، في مرة نقوى، في مرة نخلع نير عبودية الشهوات ونلبس رداء عبودية الله فإنه العز والكرم.

والله ولي التوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد