تاريخيًّا لم يكن هناك شيء اسمه شرق أوسط، لكن هذا المسمى ظهر بظهور النظام العالمي الجديد، الذي فرض مجموعة من التغيرات التي غيرت ملامح خارطة العالم، وكان من بين تلك التغيرات هو ظهور هذه المنطقة الساخنة على مستوى العالم، إذ إنه لا يوجد أي منطقة أخرى تشهد نفس الصراع الدموي الذي تشهده كثير من دول الشرق الأوسط.

بظهور النظام العالمي الجديد وجدت مجموعة من النظريات السياسية التي حاولت في أطروحاتها ومقارباتها أن تفسر سلوك الدول، كما أنها حاولت أن تتنبأ بمخرجات ذلك النظام، أو عن ماذا ستسفر تلك التغيرات التي فرضتها الدول المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، من تلك النظريات: النظرية المثالية، والنظرية الواقعية الكلاسيكية، والنظرية الواقعية الحديثة، والنظرية الليبرالية، والنظرية المؤسساتية، وغيرها من النظريات، وعلى الرغم من تعدد تلك المدارس، وتنوع أدواتها التحليلية إلا أنها لم توفق في تفسير معظم التغيرات التي شهدها العالم.

لعل النظرية الواقعية بمبادئها المثيرة للجدل تمكنت من إعطاء تفسير نسبي للسلوك العدواني الذي تسير على ضوئه معظم الدول، إذ إن هذه النظرية تبرر ضرورة السعي للحصول على السلاح من أجل أن تحافظ  كل دولة على بقائها أمام العالم الفوضوي الذي يفتقر إلى الهرمية أو القطبية التي بإمكانها أن تنظم علاقات الدول فيما بينها البين، وعلى الرغم من التفوق العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة إلا أنها إلى الآن ليست قادرة على الوصول إلى الهيمنة التي تحدث عنها ميرشايمر في تنظيره للجانب الهجومي في نظرية الواقعية الجديدة، والسبب في عدم تمكنها من ذلك، هو وجود قوتين أخريين ينافسانها على تلك الهيمنة، وعلى الرغم من أن روسيا والصين ليس لهما نفس القدرة من السلاح الأمريكي، لكن لديهما الترسانة النووية التي تجعلهما في مأمن من تهديد أي دولة أخرى، بما فيها أمريكا نفسها.

في حقيقة الأمر ارتبط مصير المستعمرات العربية والأفريقية بمصير الدول التي كانت تتحكم بها، إذ إن تلك الدول استجابت لمطالب الشعوب التي تتوق إلى الحرية، لكنها لم تنسحب بدون شرط، بل تركت أثرًا مدمرًا على تلك الشعوب بتسليم الحكم للأقليات، أو عبر التدخل المباشر عن طريق المؤسسات الدولية التي أفرزها النظام الجديد، لكن لماذا ما زالت منطقة الشرق الأوسط هي المنطقة الساخنة في العالم حتى الآن؟

يرتبط ذلك بطفرة النفط الخليجي، والذي اعتبر منذ ظهوره حقًّا لتلك الدول العظمى التي تسعى لتأمين نفسها عن طريق الهيمنة على الآخر، بالطبع لا نستطيع أن نقول إن القوى الأمريكية المتواجدة حاليًا في الخليج أشبه بالاحتلال، لأن هذه القوى دخلت بإرادة ملاك تلك الدول بحجة الدفاع الذي لم ولن ينتهي حتى ينتهي النفط.

ابتداءً بالعراق، ومرورًا بسوريا واليمن، لا ندري على من سيكون الدور القادم، فالصراع الدموي القائم حاليًا في سوريا، ومن قبله التصفية العرقية المدمرة في العراق، ومرورًا بالانقلاب الرسمي على شرعية الشعب في مصر، ووصولًا إلى مهزلة الصراع في الحكم في اليمن، يبدو أنه من الصعب التنبؤ بما قد يحدث خلال الفترة القادمة، إذ إن إيران التي اكتسبت خبرة كبيرة من مناوراتها الطويلة مع الغرب، تمكنت من كسب ثقة المصلحة الغربية، باعتبارها الطرف المناوئ للإرهاب السني المتمثل بداعش وبقية الجماعات المتطرفة الأخرى في شبه الجزيرة العربية، ودخولها المشهد العربي بذلك الشكل السافر يدلل على أن الصراع  سيستمر زمن ليس قصيرًا، فالسلاح الروسي والأمريكي على حد سواء ما زال يتسرب إلى المخازن العربية التي لم تتمكن من تسديد ديون القمح بعد!

من خلال تأمل تفاصيل الصراع في الشرق الأوسط القديم، يمكننا أن نفهم أن الصراع أشبه بلعبة مجنونة من أجل تبادل الأدوار ليس إلا، وعلى الرغم من أن أنصار النظرية الليبرالية والمؤسساتية يصرون على أن المؤسسات الدولية قادرة على الحضور بشكل قوي في مشهد الصراعات، بحيث تتمكن من الانتصاف للإنسان، لم تتمكن حتى الآن كل تلك المؤسسات من وقف بشار ومتفجراته الطائرة، كما أنها لم تتمكن من مقاطعة نظام استبدادي صعد بقوة السلاح في مصر، إضافة إلى أنها ما زالت تتعامل بنفس الطريقة البرغماتية مع ملوك الخليج الذين لا يعترفون بشيء اسمه حقوق الإنسان كونهم ما زالوا يعيشون في عصر الإقطاعيات والملكيات، أضف إلى ذلك غياب المشروع الإسلامي الذي لم يظهر من الأساس منذ قرون طويلة.

صحيح أنه وجدت محاولات جادة لإيجاد مشروع عربي، لكن ذلك المشروع لم ينجح إذ اصطدم بواقع الأقليات فيه، لكن المشروع الإسلامي قد يخلق فرصة لتوحيد الأقليات، خصوصًا إذا انطلق من مبادئه الحقيقية التي تنص على إشراك كل مكونات المجتمع في بناء البلد، لذا كمشروع إسلامي يجب أن يقوم لا ينبغي أن يأخذ النكهة الوهابية، أو الحضور الصوفي، أو الالتزام السني، أو التعقل الشيعي، ينبغي أن يجمع بين كل تلك المفردات ليصيغ وحدة متكاملة توضح لتلك القوى المتناحرة ألا قيمة لها ولا وزن أمام تلك الدول التي تصفي حساباتها بتدمير أراضيها وشعوبها، أثناء انشغالها بالجدل القديم حول ولاية الفقيه!

أمام هذه التغيرات هل سنشهد ظهور شرق أوسط جديد في المنطقة؟ هل ستختلف ملامحه، هي سيتغير مستوى حضوره في المشهد العالمي؟

لن نتمكن من الحصول على إجابة محددة لأن مشهد الصراع أخذ أبعادًا دولية، ليس بالضرورة أن تصل تلك الآثار إلى حرب عالمية بالنسبة لأطراف الصراع، لكنها ستشعل نهايات دموية ومؤلمة لتلك الشعوب التي لا تملك من أمرها شيئًا، وسواء ظهر شكل جديد للشرق الأوسط أم لا، تبقى أهمية الإصرار على الدعوة لإيجاد تكتلات إسلامية معتدلة قادرة على تقبل الآخر أيًّا كان، في سبيل خلق دور مجتمعي وفردي قادر على المشاركة في صياغة مشروع يتناسب مع ملامح هذه الشعوب المقهورة، وليس مشروع مفصل وفق مصالح القوى العظمى التي لا تجيد سوى السلب والنهب المبرر بحجة الدفاع عن النفس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد