وبمجرد أن أختلي بنفسي فإذا بي بعيدًا كل البعد عن الأخلاق والفضائل، فهل أنا منافق؟ فهل نحن منافقون؟ أليس هذا كذبًا؟ أليس هذا ادعاء؟ أليس من الأفضل أن أظهر للناس عيوبي وأفعالي؟ أليس من الأفضل أن أتوقف عن ادعاء الالتزام والتدين أمام الناس؟ ألا يجب أن أكشف هذا الزيف في الآخرين أيضا؟!

هكذا تدور تلك الأسئلة في عقولنا جميعا، وهي جميعها تساؤلات طبيعية وفطرية جدا؛ لأن الإنسان جُبل على الكمال والتطلع دوما للأفضل، فهو نفس تقع بين جسد وروح، ورغم مادية الجسد وواقعيته إلا أن النفس تتطلع لسمو الروح ومثاليتها وكمالها.

والمشكلة دائما ليست في السؤال إنما في طريقة التفكير والبحث عن الجواب، فعقولنا جميعا بها ثغرات أو ما يسمى “المغالطات المنطقية”، وهي تلك الخدع التي يمارسها الإنسان على نفسه أو على الآخرين كي يحرس قناعاته واستنتاجاته، والتي تعبر عن رؤيته الشخصية الخاصة به ويستند إليها بناء قيمي وأخلاقي كامل فتصبح بذلك هي هويته وفلسفته في الحياة.

وتلك الثغرات هي سبب انحراف الإنسان عن جادة الصواب سواء من ناحية الفكر أو المشاعر أو السلوكيات، وعلاجها ليس سهلًا وليس مستحيلًا فهي تحتاج لعقل يقظ، يفكر في تفكيره ويراقب نفسه جيدا ويكون صريحًا مع نفسه إلى أقصى حد؛ وهو ما يصعُب أن تجده مجتمعا في إنسان واحد كل الوقت!

وهذه الثغرة أو المغالطة التي ينطلق منها الإنسان في تلك التساؤلات المشروعة وهي التي يستغلها الذين يتبعون الشهوات كى يميلوا بالإنسان ميلا عظيما على عكس الله الذي يريد أن يتوب علينا.

تلك الثغرة هي مغالطة الانحياز للاتساق، فالإنسان دوما يميل لتغيير ذكرياته كي تتوافق مع رؤيته وخبراته الحالية، لذلك لا تتعجب كثيرًا عندما تسمع ممن هم أكبر منك سنًا عن تجاربهم فيما مضى عندما كانوا في نفس سنك، وكانوا شديدي الحكمة والتقوى والذكاء!

فهم دوما كانوا متفوقين في الدراسة ملتزمين بالأخلاق والدين محافظين على بر الوالدين؛ من الآخر كانوا ملائكة مجنحين – وهم لا يكذبون فقد صدقوا تلك الروايات عن أنفسهم حقا – فالانحياز للاتساق ما هو إلا رغبة في رؤية التناغم في كل شيء، في ماضيك وحاضرك في أفكارك ومشاعرك.

والانحياز للاتساق هو جزء من رغبة الإنسان لتقليل شعوره بعدم الارتياح للتنافر الإدراكي، فعندما يكون هناك وجهتا نظر في موضوع واحد، أو هناك اختلاف بين ما تقوله نظريا وما تفعله عمليا.

حينها يطغى عليك شعور بأنك منافق، والتخلص من ذلك الشعور يكون إما؛ بتبني وجهة نظر واحدة فقط والانحياز الكامل لها والتبرير المطلق لها، أو عن طريق التحايل وخداع النفس والكذب على الآخرين ثم تصديق ذلك الخداع وكأنه حقيقة!

وكلا المسلكين ينبعان من تصور خاطىء سواء لله أو للإنسان أو لطبيعة وجودنا في هذه الأرض مستخلفين فيها، حتى أن تلك الرؤية تتسبب لقراءة عوراء للنص الديني ذاته.

فمن حيث قراءتهم لحقيقة الله منهم من يقرأ نصوص الرحمة فقط فالله رحيم رؤوف – وهو كذلك بالفعل – ولكنهم يبالغون في حدود الرحمة ليصلوا بها إلى مرتبة الضعف، فيما يعرف بالفكر الإرجائي؛ “ربك رب قلوب”، “وأهم شيء النية لا العمل”، “وربنا هيدخلنا الجنة برحمته وليس بأعمالنا”…إلى آخره من تلك المقولات التي شاعت فنتج عنها مسلمون بالاسم لا السلوك. وعلى النقيض منهم من يقرأ النصوص بعين القوة فقط فالله هو شديد العقاب – وهو أيضا كذلك بالفعل – لكنهم يبالغون في حدود القوة ليصلوا بها إلى مرتبة البطش الظالم!

فهؤلاء في النار وأولئك في النار، وهؤلاء لن يغفر الله لهم وأولئك لا توبة لهم، وهؤلاء كفار وأولئك خوارج! فكأنهم ملكوا مفاتيح الجنة والنار وأصبحوا يحكمون نيابة عن الله سبحانه ويتصورون أن الله يتربص بنا كي يهلكنا بذنوبنا في حين أنه لو فعل ذلك ما أبقى على وجه الأرض من إنسان!

ومن حيث رؤيتهم لطبيعة الإنسان فمنهم من يقرأ الإسلام بعين المثالية فقط فلا يقبل بالمعصية أو الخطأ ولا يقبل إلا بالكمال الملائكي المطلق، ومنهم من يقرأها بعين الواقعية فقط فيرى في الإسلام دينًا يترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها، فافعل ما شئت ثم استغفر إن الله غفور رحيم!

ويأتيك كل منهم بروايات وأحاديث لتؤكد وجهة نظره بغض النظر عن صحة السند أو عن طبيعة السياق التي قيلت فيه.

أما من حيث طبيعة وجودنا على هذه الأرض، فمنهم من يقرأ نصوص المعاناة والابتلاءات – وهي حق – ولكنهم يبالغون حتى يتصور بعضهم وكأننا في حرب شاملة والحياة كلها كرب ومعاناة، فنحن نحيا الجحيم على الأرض فلا خير ولا متعة ولا يحق لك أن تحيا سعيدًا أصلًا، ومنهم من يقرأ نصوص الكرم والرزق – وهي أيضا حق – ولكنهم يبالغون وكأن الحياة كلها خير وجمال وإيجابية فلا تزعج نفسك بمشاكل من حولك وابتسم وافرح وإياك أن تحزن! كمثل أحد مدربى التنمية البشرية المشهورين الذي يقتنع تماما بمفهوم الجنة الأرضية! ويسوق عليه الأدلة والاستنتاجات (وهو ما سنناقشه لاحقا في مقال آخر نظرا لخطورة هذه التصورات).

وكلاهما قراءة عوراء مبتسرة تجتزئ النص ولا تفهم فلسفته العامة ولا الحكمة من التشريعات المختلفة التي شملت جوانب الحياة كلها ولاتفقه سنن الله في عباده.

وهي قراءة اعتمدت بالأساس على مغالطة الانحياز للاتساق تلك، فهو يقرأ النصوص التي تتوافق مع قناعته واستنتاجاته وشخصيته والبعض منهم يتطرف فيؤولها تأويلًا عجيبًا ويحمّلها من المعاني ما لا تحتمل، وكلاهما يتناسى أن العدل له يدان أحدهما القوة ثانيهما الرحمة والله هو العدل المطلق، وأن هناك مكيالًا دقيقًا فكل شيء خلقه بقدر، فميزان عدله لا يخطىء أبدا.

كذلك الأمر في كل المواضيع المختلفة. فإن لم يطور الإنسان رؤية وسطية لنفسه تكون معتدلة بلا إفراط أو تفريط فإنه سيسقط حتما في فخ الانحياز للاتساق.

دعاوى شياطين الإنس:

من الطبيعي جدا ألا يتطابق الفكر والسلوك بشكل كامل، ولا يوجد التزام كامل ولا يوجد انحراف كامل، فذلك التصور الساذج الذي يقسم الناس إلى ملائكة وشياطين هو تصور غير منطقي وغير واقعي، والجدال ليس بين ملائكة وشياطين إنما بين أناس تخطئ ولكنها تجاهد نفسها ولا تريد أن تنشر الفجور بين الناس، وبين أناس آخرين يخطئون أيضا ولكنهم يريدون أن تشيع الفحشاء بين الناس.

وذلك هو الفرق الوحيد فالأولون لا يتفذلكون ولا يقبلون بالأمر الواقع كمرجعية أخلاقية، أما الآخرون فهم يحاولون أن يشرعنوا الخطأ وأن يتحول الواقع إلى شريعة لا يجوز الخروج عليها! لذلك فهم يحاولون تصوير خطأ الإنسان وكأنه نفاق ويستغلون تساؤلاته وحيرته المشروعة لضرب القيم والمبادىء ويخيلون للناس أنك عندما تجاهر بالمعصية والذنب فأنت صادق مع نفسك! وتلك مغالطة كبرى فهذا اسمه فسوق وليس صدقًا.

نعم إن المعصية والخطأ والتعلم من التجارب هي جزء من تكوين الإنسان، ألم يعصِ آدم ربه وأكل من الشجرة؟! والمشكلة لا تكون في المعصية في حد ذاتها إنما في كيفية فعلها وكيفية التعامل بعد ذلك معها؛ فالمعصية من حيث طبيعتها إما أن تكون من الموبقات أو من الكبائر أو من الصغائر، ومن حيث كيفية فعلها فإما أن تكون ضعفًا أو استهتارًا أو استكبارًا، أما من حيث طبيعة التعامل بعد ذلك معها فإما لا مبالاة وعدم اكتراث أو حزن مع تبرير والتماس أعذار أو ندم وتوبة واستغفار.

وقد قال ابن القيم رحمه الله: “وها هنا أمرٌ ينبغي التفطّن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف، والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر؛ وقد يقترن بالصغيرة من قلّة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى المراتب”.

فالأمر في النهاية مرده للقلب وليس للفعل نفسه؛ فقد نحسبه هينًا وهو عند الله عظيم “إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة لا يُلْقِي لها بالًا، يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يُلْقِي لها بالًا، يهوي بها في جهنم”، [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ].

الإسلام بعين العدل:

كي نستطيع أن نقرأ الإسلام قراءة صحيحة – أو أقرب إلى الصحة إن شئنا الدقة – علينا أن نقرأ النص بكلا العينين لا قراءة عوراء مبتسرة تجتزئ النصوص على هواها فالإسلام كما قال “بيجوفيتش”: (يمتاز “بالوحدة ثنائية القطب “).

فمن حيث طبيعة الله وتعامله معنا {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، [المائدة:98]. وقال السيوطي في تفسيره الدر المنثور عند تفسير هذه الآية: أن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه – حين حضرته الوفاة قال: ألم تر أن الله ذكر آية الرخاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، لا يتمنى على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة. فمعرفتنا برحمة الله لا تدفعني لمعصيته ومعرفتنا لشدة عقابه لا تدفعنا لعدم طلب المغفرة منه إن أخطئنا.

أما من حيث طبيعة الإنسان بين المثالية والواقعية، فإن الإسلام يعلم ما يعتري الإنسان من شهوات “فالإنسان في نظر الإسلام كائن لا هو بالملاك ولا بالحيوان”.

وإن كان قادرًا في بعض حالات الهبوط أن يصبح أسوأ من الحيوان، وفي بعض حالات الارتفاع أن يسمو بروحه إلى مستوى الملائكة من الطهر، ولكنه في حالته الطبيعية شيء بين هذا وذاك، مشتمل على استعداد للخير كما هو مشتمل على استعداد للشر. وليس أي العنصرين غريبًا عن طبيعته ولا مفروضًا عليه من خارج نفسه”، (الإنسان بين المادية والإسلام ص96، محمد قطب).

فقد {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ..} ولكن في نفس الوقت لمن جاهد نفسه {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنت تجري من تحتها الأنهار خلدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد}. ومن هم العباد يا تُرى؟ هم {الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فأغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار}، [آل عمران: 14-16]. فهم ليسوا العباد الذين لا ذنوب لهم!

ثم أوضح طريقة التدافع نفسها التي تحدث في المجتمعات وكيف تحدث في النفس }إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات}، [هود:114]. فلم يطالبنا الله هنا بأن نكون أصحاب حسنات فقط، بل طالبنا بأن ندرأ بالحسنة السيئة، وعندما سأل الصحابي ربيعة بن كعب الأسملي الرسول صلى الله عليه وسلم “أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك. قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود”. “أعني على نفسك” تلك هي أصل المشكلة و “كثرة السجود” ذلك هو حلها، والمهم هو الإخلاص في النية والعمل وللأسف ففي عصر مواقع التواصل الاجتماعي فإن الرياء قد زاد واختلطت علينا النوايا بين إرضاء الرب وإعجاب العبد.

أما من حيث طبيعة وجودنا على هذه الأرض بين من يتصورون أنها جحيم أو أنها جنة { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأرض وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ}، [البقرة:251]. فالتدافع هو بين طرفين وهو ما يحافظ على منع انتشار الفساد في الأرض فلا هي جنة ولا هي جحيم فلم يستخدم لفظ صراع، كما لم يستخدم لفظ سكينة، إنما تدافع وشتان الفرق، فالحياة على وجهين شر وخير (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، [الانبياء:35].

مهم جدًا أن ندرك تلك الثنائية، ثنائية الخالق / المخلوق والتي انبثق منها ثنائيات عدة كالروح / الجسد، وكالخير / الشر، والعدل / الظلم، والحق/الباطل، والجمال / القبح.. إلخ. فهكذا هي الدنيا على وجهين وهكذا هو الإنسان يتقلب فيها على كلا الوجهين حتى يغلب عليه وجه دون الآخر، فإذا غلب خيره شره فهو ممن زكاها فقد أفلح، وإذا غلب شره خيره فهو ممن دساها فقد خاب، فكلما سقط الإنسان عليه أن يعود إلى الطاعة والبر والتقوى لا أن يهد المعبد ويبدأ من الصفر!

ودوما ستجد أن كل خطأ يستثنى منه {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، {إلا الذين تابوا وأصلحوا}،.. إلخ.

افعل الخير تجد الله أمامك ولا تنتظر أن تكون متطهرًا كاملًا كي تعبد الله ولا تتوقع من أحد مهما علا شأنه أن يكون طاهرًا نقيًا – هو كذلك فقط سترًا من الله وكفى بالستر نعمة – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ‏:‏ ‏”‏لَوْ أَنَّكُمْ لَا تُخْطِئُونَ لَأَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ”‏‏، كما قال:‏”كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”.

إن هذه الحياة كدح إلى الله ولا كدح دون مشقة وأعظم مشقة هي مقاومة نفسك وشهواتها وعقلك وشبهاته وقلبك وما ران عليه وكن على ثقة بأن «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا»، [العنكبوت:69].

أنت لست منافقًا فلا تقلق وقاوم شهواتك واعمل الحسنات كي تذهب عنك رجز السيئات واستبق الخيرات وبادر بالتوبة ولا تستسلم مهما حدث {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، [سورة الزمر:53].

إننا لا ندعو إلى النفاق إنما ندعو إلى الإسلام والإسلام هو دين الفطرة، هو دين الإنسانية، هو الدين الذي يعلم الله طبيعة الإنسان الذي خلقه وما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإنسان ضَعِيفًا}، [النساء:28].

لست أول من اعتقد أنه منافق:

فعن حنظلة بن الربيع الأسيدي –  رضي الله عنه – قال:  لقيني أبو بكر قال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله!

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (وما ذاك)؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة..” ساعة وساعة ” ثلاث مرات، [رواه مسلم].

ولا يقصد طبعا أن تكون ساعة لله وساعة أخرى للشيطان! – كما شاع بين الناس ساعة لربك وساعة لقلبك -! فالمقصود هو مشابه لما جاء في سورة الجمعة بعد الصلاة طالبين الرزق وغير متناسيين الذكر {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون}.

وأختم مقالي باقتباس من كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” يلخص الفكرة كلها:
اقرأ هذه الآية {الذين آمنوا وعملوا الصالحات..}، إنها تتكرر بصيغتها أو معناها في القرآن أكثر من خمسين مرة، كأنما تؤكد لنا ضرورة توحيد أمرين اعتاد الناس على الفصل بينهما. إن هذه الآية تعبر عن الفرق بين الدين (الإيمان) وبين الأخلاق (عمل الصالحات)، كما تأمر في الوقت نفسه بضرورة أن يسير الاثنان معا. كذلك يكشف لنا القرآن عن علاقة أخرى عكسية بين الأخلاق والدين، فيوجه نظرنا إلى أن الممارسة الأخلاقية قد تكون حافزًا قويًا على التدين {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، فمعنى الآية هنا لا يقول: “آمن لتصبح خيرا” إنما على العكس يقول:”افعل الخير تصبح مؤمنا”.

وفي هذه النقطة نرى إجابة على سؤال: كيف يمكن للإنسان أن يقوي إيمانه؟ والإجابة هي: “افعل الخير تجد الله أمامك”.

اللهم طهر قلوبنا من النفاق وطهر سلوكنا من الرياء وطهر عقولنا من الكبر والخيلاء.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد