لست أتحدث هنا عن وجودنا الجغرافي والديمغرافي، بل أتحدث عن وجودنا الحضاري، والثقافي، والعلمي، ومدى تأثيرنا في مسيرة التقدم في العصر الحاضر، فنحن منذ 4 قرون غرقنا في وحل الجهل، والتخلف الحضاري، والثقافي، والعلمي، وسيطرت علينا طغمة حاكمة من الفاسدين، والديكتاتوريين، الذين لا يهمهم مصلحة أمتنا، بل كل ما يطمحون إليه هو المحافظة على كرسي الحكم، وبأي وسيلة ممكنة، وبالرغم من أن أمتنا تحمل أمانة تبليغ الرسالة الخاتمة للعالمين، إلا أنها نسيت مهمتها الأساسية القائمة على العلم والتطور في جميع المجالات، وغرقت في الانقسامات والخلافات المذهبية التي لا طائل منها، والتي لا تجلب غير الفرقة والنزاع بين أفراد الأمة، وأصبحنا في مؤخرة الأمم، بعد أن كنا أصحاب الصدارة في جميع المجالات لقرون طويلة.

وبدلاً من أن نبحث عن أسباب تراجعنا الحضاري والعلمي، ومحاولة إزالة هذه الأسباب لنعود إلى صدارة العالم، انقسمنا على أنفسنا، وأصبحت الأمة بين فريقين، فريق تأثر بالحضارة الغربية، ويدعو إلى اتباع الغرب، ونبذ كل ما يتعلق بموروثنا الثقافي والحضاري وتقليده في كل شيء، دون مراعاة لما يصلح لنا، وما يتوافق مع ديننا وثقافتنا وحضارتنا، ودعوا إلى فصل الدين عن الحياة، وجعله فقط عبادات شعائرية ليس له أي دخل في مناحي الحياة الأخرى.

وهذا الفريق لم يأخذ من الغرب تطوره التكنولوجي والعلمي، بل أخذ أسوأ ما في الحضارة الأوروبية من الانحلال الأخلاقي، والقيم التي تتعارض مع ديننا وثقافتنا، بل حاولوا فرضاها في كثير من الأحيان على مجتمعاتنا المسلمة بالقوة، ومن يخالف هذه القيم الغريبة يعتبر متخلفًا ورجعيًّا، لا يريد التقدم والتطور الحضاري، ونسي هؤلاء أن الأمم لا تبنى بالتقليد الأعمى للغير، بل تبنى بالمحافظة على هويتنا وقيمنا الحضارية الصالحة، والأخذ من الحضارات الأخرى ما يصلح لنا، ويساهم في تطورنا وتقدمنا، كما فعلت ذلك الكثير من الدول التي حافظت على ثقافتها، وهويتها، وناطحت الغرب في تقدمه العلمي والحضاري.

وأهل هذا الفريق أصبحوا غرباء في أوطانهم، فهم يعيشون بالعقلية والثقافة الغربية في بلادنا الإسلامية، التي ترفض الكثير من هذه القيم الغربية، وأصبحوا لا هم لهم إلا تقليد الغرب في كل ما يفعله سواء، كان صحيحًا أو خاطئًا، فالتطور في نظرهم تقليد الغرب في كل شيء.

وظهر فريق آخر في أمتنا يدعو إلى التمسك بمورثنا الحضاري والثقافي، ورفض كل ما يمت للغرب بصلة، بداعي المحافظة على الهوية الحضارية والثقافية للأمة؛ مما جعل الأمة تصاب بالجمود على جميع الأصعدة، وتتقهقر عن الركب الحضاري للأمم، لتصبح في مؤخرته، بعد أن كانت في مقدمته، وأصحاب هذا الاتجاه، خلطوا بين رسالتنا الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، وموروثاتنا الحضارية والثقافية، التي من الطبيعي أن تتغير وتتبدل مع تقدم الزمان واختلاف المكان.

ونسي أهل هذا الاتجاه، أن هناك في مواريثنا الثقافية وعاداتنا وتقاليدنا، ما لا يصلح في هذا الزمان، وأن ليس من الحكمة رفض كل ما يأتي من الغرب، فليس كله فاسدًا فهناك الصالح والطالح، وبدلاً من أن نرفض كل ما يأتينا من الغرب، علينا أخذ ما ينفعنا ويصلح لنا، ويساهم في تقدمنا، ورفض ما يخالف ديننا الحنيف من الانحلال الأخلاقي، والقيم الفاسدة، ونسوا قول رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم- «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها» حديث ضعيف جدًّا.

الانقسام الحاد بين هذين الفريقين، أدى إلى تدهور حال أمتنا إلى الأسوأ، وظهرت مجتمعاتنا حائرة تائهة، لا تعرف إلى أي هوية حضارية تنتمي، فكل فريق يأخذها في اتجاه، مما أدى إلى زيادة التمزق والانقسام في الأمة، وسيطرت الديكتاتوريات العسكرية على مقاليد السلطة في أمتنا، وزادت نسب الفساد، والفقر، والجهل، وانهارت كل مقوماتنا الحضارية، تحت وطأة الطغيان والاستبداد السياسي، الذي طمس أي محاولة لتطور أمتنا وتقدمها.

ونحن اليوم بحاجة ملحة إلى أصحاب الاتجاه الثالث، الذي يحافظ على هويتنا الإسلامية ومواريثنا الثقافية والحضارية، في الوقت الذي يأخذ من الحضارة الغربية تطورها وتقدمها التكنولوجي والعلمي، لنستطيع أن ننهض من جديد، ونعود إلى صدارة العالم، ولنقدم نموذجنا الحضاري والثقافي، الذي لطالما قدمناها للعالم في القرون السابقة، ولنتخلص من سيطرة الطبقة العسكرية على الحكم في بلادنا، وما في ذلك من فساد وطغيان واستبداد وانتهاك لكل الحريات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد