المشهد الأول(1) ‏

رجل في الخمسينات من عمره فاض به الأمر، توضأ ليصلي، ثم مكث بين يدي الله يبكي ويتساءل: “لماذا جعلت هؤلاء الظلمة رؤساء وحكماء علينا يا الله؟! ألم يكن هناك رجال رحماء يصلحون للحكم والإدارة غير هؤلاء؟ يتساءل الرجل في استنكار، ثم يقوم إلى فراشه ليخلد إلى النوم حتى لا يتأخر في الغد فيستقبل صباحه بجرعه من سخافة مديره الذي يمارس جبروته على كل من هو أقل منه. ‏

المشهد الثاني (2‎)

هذا الموظف تأخر نصف ساعه فقط عن ميعاده لظروف المواصلات التي نعلمها جميعًا، يخصم منه المدير نصف يوم ويوبخه ويخبره أن هذا إنذار بالفصل من العمل إذا تكرر التأخير هكذا مزيدًا من الأيام‏ القادمة‏‎.‎
يشعر الموظف بمرارة ما تجرعه يشكو إلى الله ويقول: “لماذا وليت علينا من لا يرحم يالله؟!” ‎

المشهد الثالث (3) ‏

في المطعم المركزي للمدينة الجامعية “حيث مكان الطعام للطالبات المغتربات من أجل الدراسة”، تطلب بنت من العامل المسئول عن غرف الطعام “الموظف الغلبان الذي كان يبكي بالأمس” أن يضع لها مزيدًا من الأرز في طبق طعامها، فالكمية صغيرة ولا تكفي حاجتها للطعام بعد هذا اليوم الشاق.‏

فيقوم العامل الغلبان برفع صوته وإحراج الفتاة ورفض وضع المزيد من الأرز، وكأنه يطعمنا من ماله الخاص على سبيل الشفقة. “على الرغم من أن الطعام يتبقى منه كميات كبيرة ويكون مصيرها صندوق القمامة” ‏
‏ شهدت هذا الموقف، وشهده عدد كبير من البنات.‏

أخذت البنت “سرفيس الطعام” وذهبت إلى مكان بعيد لتبلع جرعة الإحراج والإهانة وحدها وسط صمت الجميع! ‏

المشهد الرابع (4)‏

يعود الموظف إلى بيته، بداخله غضب وقهر من هذا المدير المستبد، وهو يشعر أنه مُفتَرى عليه
يجد زوجته المسكينة أمامه، ولسبب تافه يصب عليها من غضبه ما يستطيع، فهي ضعيفة،
هذه الزوجة الضعيفة تبكي بداخلها من هذا الزوج الظالم المفتري،

ترى ابنها أمامها يسألها ببراءة عن شيء ما، تغضب الأم من سؤال ابنها لها في هذا الوقت غير المناسب، فهو كائن مزعج، فتوبخه وربما يصل الأمر إلى ضربه، بدون سبب مقنع. ‏

المشهد الخامس (5) ‏

جميعنا يعلم “العسكري الغلبان” ‏
يذهب العسكري الغلبان في الصباح الباكر إلى عمله، حيث المأمور رئيسه في العمل يُسمِعَه من الكلمات مالا يستحقه، ويعطيه من الأوامر الصعبة ما يفوق طاقته وتحمُلَه، جميعنا يعلم ذلك، وندعو لهم‏ دائمًا. يُحدث العسكري ربه سرًا ويقول: “لماذا سلطه عليَّ يا الله؟!” ‏

ثم يأتي هذا العسكري الغلبان ليباشر عمله في السجون في الإشراف على المُعتقلين والجنائيين، فيمارس عليهم قمعًا وظلمًا وجبروتًا يفوق ذاك الذي يمارسه عليه “الباشا المأمور”. ‏

المشهد السادس (6)‏

معيد في الجامعة يقوم بعمل رسالة الماجيستير خاصته، ابتلاه الله بمشرف للرسالة غير متعاون، ولديه من الجبروت ما يفوق تحمل البشر، يشعر المعيد بالضيق ثم يشكو لله هذا المشرف ويقول: “لماذا يا ر‏ب جعلت هذا الرجل ذا الجبروت يشرف على رسالتي؟” ‏
يذهب المعيد نفسه بعدها إلى سكشنه ليمارس وظيفته الإضافية في التدريس للطلبة. ‏

يدخل طالب ما إلى السكشن متأخرًا 10 دقائق لأن هناك عطلاً بالمترو! فيأخذ نصف درجات الغياب ‏فقط.‏
مشكلة المترو لا تخص المعيد، لا يعنيه أي شيء إلا أن ميعاد السكشن لا ينبغي أن يتأخر عليه أي طالب تحت أي ظرف. ‏
هناك امتحان يحتاج إلى آلة حاسبة، هناك طالب نسي الآلة الحاسبة خاصته، لقد ارتكب هذا الطالب ‏جُرمًا عظيمًا! ‏
كيف له أن ينسى؟

المشهد السابع (7) ‏

يخرج هذا السائق الذي يعول الأسرة في الصباح ليكسب قوت يومه، يقابله شرطي معدوم الضمير يطلب منه دفع “اللي فيه النصيب” إما ذلك وإما أن يسحب رخصته. ‏

السائق الغلبان يشعر بالغضب، ليس هناك شيء يفعله أمام ضمير الشرطي، يدفع على مضض ويشكو‏ إلى الله. ‏

المشهد الثامن (8) ‏

هذا السائق “الغلبان” الذي يشكو إلي الله من الشرطي المرتشي معدوم الضمير، حان وقته للبلطجة على الركاب ليأخذ فوق أجرته وفوق ما يستحقه. ‏

المشهد التاسع (9) ‏

الطبيب في المستشفى الحكومي، قابل صديقه الدكتور وظلَّ يشكوان من وزير الصحة الذي يأخذ أقل ‏حقوقهما، وأنهم من المظلومين! ‏
هو الطبيب نفسه الذي لا يهتم لأمر المرضى، ويترك المستشفى في غير موعده ليذهب إلى عيادته الخاصة. ‏

المشهد الأخير ‏

جميعنا يشكو الظلم والظالمين، نكره الديكتاتورية ومن يتقلد بها! ‏
نشكو إلى الله من ذاك القوي المفتري. ‏

نقول “يا رب ! لماذا جعلت من الظلمة والمفترين حكامًا علينا وبيدهم الأمر؟! “احنا غلابة يارب” ‏
السؤال الآن! ‏
من المظلوم؟ ومن الظالم؟ ‏
من المُفتري؟ ومن المُفتَرى عليه؟! ‏
من الضحية؟ ‏
الإجابة أيها القارئ أننا نتقمص دور الضحية! ‏
ولو نظر كل إنسان داخله لوجد ديكتاتورًا صغيرًا يتربع في نفسه، ينتظر الفرصة المناسبة فقط، ‏
والفرصة المناسبة تأتي دائمًا لمن هو أضعف، ومن هو أقل منه. ‏

هل نستحق الحاكم الظالم؟ والمدير المفتري سليط اللسان؟ ‏
‏ الإجابة باختصار “من أعمالنا سُلطت علينا” ‏

الأمر المؤسف أننا لسنا ضحايا كما ندَّعي، لكننا مشتركون معهم ولو على نطاق أصغر، ” نحن تر‏س في عجلة الظلم”.‏
وقبل أن ندعو على الحاكم الظالم والمدير الظالم، كن أنت في محيطك عكس ذلك، وكفانا يا أصدقاء ‏تقَمص أدوار الضحية، فالله لا يغير ما بقومٍ حتى يُغَيروا ما بأنفسِهم. ‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد