يوم آخر ينصرم، لا يحوي بين ساعاته أي جديد ولا أي مستجد، هي هي نفس الأحداث، أحاول أحيانًا كسر الروتين فلا أستطيع سوى أن أغيّر ترتيبها، ليس بيدي الاستغناء عنها، فقط أستطيع إعادة تنظيمها! إنها أحداث ترغمك على الانصياع لها، لا مفر منها، لا مفر من الاستيقاظ مبكرًا، لا مفر من الذهاب إلى الجامعة، لا مفرّ من التعامل مع سائقي الميكروباص الغاضبين دائما! لا مفر من الولوج إلى غرفتي ساعة أو ساعتين يوميا لحفظ المقررات قبل مجيء فترة الامتحانات!

حاولت اليوم أن أدس عملا جديدًا بين إخوته على سبيل التجديد، سأعيد ترتيب مكتبي المندثر تحت حفنة من الكتب والمذكرات! بعد أن انتهيت من هذا العمل النبيل، جلست أرقب هذه الكتب التي تكوّمت فوق بعضها، فوجدت صفين من الكتب، أحدهما على يميني والآخر على يساري.

أخذت أتفحّص محتويات الصف الأيمن فوجدت كتبًا كنت قد اشتريتها منذ فترة من مكتبة «ألف» لبعض من الكتّاب أمثال أحمد خالد توفيق، زكي نجيب محمود، جلال عامر، ثم تفحصت محتويات الصف الأيسر فوجدت كتب المواد التي أدرسها هذا العام، شعرت بملل موحش بضع دقائق من تصفح هذه الكتب، وأحسست رغبة تحركني نحو اللجوء إلى الصف الآخر! التقفت كتابًا لجلال عامر، كنت قد قرأته منذ فترته، وقرأت منه بضع صفحات فتذكرت بعضًا منها، ثم التقفت كتاب «الهستولوجي» الذي قرأته عشرات المرات العام الماضي، فشعرت وكأني أقرأه للمرة الأولى! هل يصيب الزهايمر البشر في سن مبكرة كهذه؛ فينسى ما يدرسه بهذه السرعة؟!

لن أخسر أي شيء إن تركت هذا النوع – الأول – من الكتب، ولن يصيبني أي أذى إن امتنعت عن قراءته، لكني سأخسر الكثير إن لم أقرأ النوع الآخر، بل وأتغنى بكلماته، بل وأحفظها عن ظهر قلب أيضا! ستُخلق مشاكل كثيرة تنغّص عليّ كل ساعة من حياتي، فلماذا إذن أميل إلى أذية نفسي؟

جلست أتدبر هذا الموقف الغريب، هل هو خلل في منطقي؟ لماذا لا أود تفادي المشاكل وكأنها زائر محبب إلى قلبي؟ توصلت إلى بعض التفسيرات التي أظنها تحلل هذا الشعور:

(1)

كتب الصف الأيمن تواجدت هنا بسبب إرادتي في ذلك، أنا من ذهبت إلى المكتبة بإرادتي، ودفعت النقود بإرادتي، وأخذتها معي إلى البيت بإرادتي، أما الصف الآخر فتواجد هنا بسبب إرادة مجموعة درجات حصلت عليها بسبب حفظي لمجموعة معلومات في مرحلة الثانوية! اختارت لي مجموعة المعلومات هذه الكلية التي سألتحق بها، والمهنة التي سأمتهنها طوال حياتي، والكتب التي سأدرسها طوال فترة دراستي، وليس أنا! ولكن هذا ليس السبب الوحيد؛ فحتى وإن كنت ممن تماهوا مع التيار وحفظوا مقدارًا من المعلومات في عدة مواد تتيح لهم الالتحاق بالمهنة التي أرادوها، فلا أظن أن العقدة كانت ستحل وتعالج المشكلة، أذكر أن كان لي جار يتمنى أن يصبح طبيبا، وكانت من أكبر أحلامه أن يدرس بكلية الطب، وقد كان، قابلته مرة قبل تخرجه بفترة قصيرة، فرأيت في عينيه نظرة سعادة وفرح وهو يتحدث عن يوم تخرجه لم أشهدها من قبل! كأنه كان محكوما عليه بالمؤبد ثم باغته العفو الرئاسي!

(2)

عندما أنتهي من قراءة كتاب من كتب الصف الأيمن، أستطيع أن أمضغه جيدا، وأتعامل مع محتوياته جيدا، قد أؤمن بها وقد أرفضها وأنقدها؛ أي أني أفهمه جيدا وأتشرب ما يقصده الكاتب جيدا، فيستمر معي ما جنيته منه إلى فترة قد تطول قليلا وقد تتطاير مع مرور وقت قليلا إن لم أبنِ عليها أي محتوى جديد؛ وذلك لأن المحتوى يُعرض بشكل مناسب وجيد، فالمحتوى في أغلب الأوقات يكون مجموعة من الأفكار، يسردها الكاتب ويحللها بأسلوبه وبمنطقه، ويقارع بمنطقه الأفكار المعارضة لها، بالحجة والمنطق والدليل العقلي، أما عندما أقرأ كتابا من كتب الصف الأيسر لا أستطيع أن أمضغه جيدا، ولا أستطيع أن أفهم محتوياته بدرجة كبيرة، لأن محتوياته لا تكون أفكارا، بل تكون شروحًا لمواضيع وأشياء مادية وتجريبية، تحتاج إلى تصور واضح حتى يقبلها العقل ويتشربها، أغلب الدارسين يتخيلون لها صورا وتخيلات – في الأغلب تكون خاطئة – حتى يستطيعون فهمها، ودائمًا ما يكون هذا الفهم ضعيفا واهيًا يعتمد عليه الدارسون فقط هذه الفترة التي تفصلهم عن الامتحان، ثم لا ينفكك أن يتطاير كما تتطاير الغازات!

(3)

عندما أقرأ كتابا من الصف الأيمن، فذلك يكون بسبب رغبتي في معرفة محتواه ومطالعة أفكاره ومعالمه، ساعتها تكون الإرادة نابعة مني وليس من أي شخص آخر، أما على الجانب الآخر، فقراءتي لكتب الصف الأيسر تكون بسبب اختبار أو امتحان تنصبه لنا الجامعة، وليس لأي شيء آخر! أقترح على إدارة الجامعة أن تجرّب مرة إقامة عام دراسي كامل – كأي عام دراسي تقليدي – ولكن مع جعل دخول الامتحانات التي ينتهى بها كل عام اختياريا، مع عدم الإخلال بإمكانية اجتياز هذا العام إلى العام التالي في حالة عدم الحضور، لنر كم طالبا سيحضر محاضرة واحدة أو يقرأ كتابا واحدا!

نعم، لا يروق لي إطلاقا هذا النظام الدراسي، وعلى يقين أن هذه السنوات التي ننفقها من الممكن أن تُستغل بشكل أفضل من ذلك بكثير، الغريب هو أنه عندما يدعو أحد لتطوير هذا الوضع، تتجه الدولة – إذا استجابت أصلا – إلى تجميل المدارس، وطلاء أسوارها، وزيادة رواتب المدرسين أو المحاضرين بعض الشيء، أما نمط التعليم نفسه وطريقته، فلا عزاء لهما!

لسنا مجبرين علي تقديم بديل، وليس من اختصاصنا أصلا، ما يهمنا هو الناتج، عندما يقدم لنا مطعم (المسؤولين) وجبة ليست جيدة فمن حقنا أن نستبدله بمطعم آخر، لسنا مجبرين على أن نخبره كيف يُصنع الطعام، قد ننصحه بأن يذهب للشيف شربيني أو الشيف حسن (أوروبا) ليتعلم ذلك لكنها ليست وظيفتنا أن نخبره كيف يصنع ذلك.

هذا النظام الروتيني القديم البالي لا يستنزف فقط سنوات وسنوات دون مقابل ملائم لكل هذه السنوات المُنفقة، بل يُخلف أضرارًا كثيرة مع أشخاص كثيرين يعانون من متطلبات لا تناسب قدراتهم وإمكانياتهم، ولا توائم تطلعاتهم، فيفقدون ثقتهم بأنفسهم ويعاملون معاملة الأغبياء والفشلة والمتقاعسين، كأنك تضع سمكة فوق شجرة ثم تطلب منها أن تأتيك طيرًا، عجبًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد