تنويه: هذا المقال ليس بالمقال السياسي ليس الغرض منه الحديث عن أخطاء أو مشاكل أو شخصيات وأحزاب سياسية، وإنما أتحدث عن عامة الشعب التي دخلت عالم السياسة من أوسع أبوابه في 2011 وتركت كنبة المتابع الأخرس إلى كرسي المتحدث المناقش للأحداث والمدافع عن الأفكار.

ليبرالي، يساري، إسلامي، مؤيد للسيسي، مؤيد لمرسي، مؤيد للبرادعي؛

كثرت التصنيفات السياسية بعد انتفاضة الخامس والعشرين من يناير، بعدما كان ممارسو السياسة قليلي العدد يصنفون إلى مؤيد أو معارض تحول المعارضون والمؤيدون لفئات مختلفة كل منها تمتلك أيديولوجية وفكرة تدافع عنها بشراسة.

بطبيعة الحال لكل طائفة أو حزب أو تيار أو فكرة مجموعة من الشخصيات التي تمثلها.

بعض الأشخاص يعتقدون أن تفرق الشعب المصري وانقسامه السياسي يعد مشكلة خطيرة يجب علينا مواجهتها، ولكن في واقع الأمر الانقسام ظاهرة ديمقراطية طبيعية، ينقسم الأمريكيون إلى جمهوريين وديمقراطيين ويكفينا ما نراه هذه الأيام أثناء السباق الرئاسي بين ترامب وهيلاري كلينتون وبرني. ينقسم الفرنسيون كذلك إلى أحزاب متعددة يسارية كالحزب الشيوعي الفرنسي أو الحزب الاشتراكي، أو محافظة كالحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الحركة الديمقراطية، وكذلك بقية دول العالم دائمًا ما يوجد التنوع والاختلاف في تأييد أو معارضة شعوبها لأحزاب أو لشخصيات أو لأفكار سياسية مختلفة.

المشكلة ليست في الاختلاف بل هو ظاهرة صحية تدل على أن ذلك البلد على الطريق السليم، ولكن المشكلة الحقيقية في التعصب السياسي والنتائج المترتبة عليه، ولكن متى يكون الشخص متعصبًا؟ وكيف نفرق بين المتعصب وبين من يمتلك الولاء والإخلاص لحزب معين أو شخصية أو فكرة معينة؟ التعصب مرض مثله مثل الإنفلونزا له عوارض معروفة ومحددة، إذا وجدت في شخص ما لا مفر من إدراكه أو إدراك من حوله بكونه متعصبًا، وهذه الأعراض في رأيي من الممكن تلخيصها في الآتي:

 

أولًا: جمود التفكير وعدم تقبل الحوار من الآخرين

 

يرى المتعصب أن رأيه هو الصواب المطلق ويصر أشد الإصرار على ذلك مهما حاول أحدهم مناقشته أو إقناعه بوجهة نظر مخالفة، وعادة ما يتهرب المتعصب من النقاش أما إذا ناقش فإنه يسمع ليرد ويناقش ليثبت وجهة نظره لا ليصل إلى الحق، يبدأ النقاش مخلصًا النية لأن يثبت على رأيه مهما كانت أدلة محاوره قوية ومهما ظهر ضعف رأي الأول مقابل رأي الثاني.

 

ثانيًا: انعدام الموضوعية والحياد في الحكم على الأحداث

 

يبرر المتعصب لرأيه أو لحزبه أو للشخصية السياسية التي يدعمها بدون أدنى قدر من الموضوعية، فتجده يهلل ويكبر عندما تدعمه أمريكا مثلًا  أو تدعم فكرته أو حزبه ويستشهد بدعمها له، ثم تتوتر علاقته بها في أوقات أخرى فيصيح قائلًا «مهاجمة أمريكا لي (أو لحزبي أو لفكرتي) دليل على الوطنية ونظافة اليد». والحق أن أمريكا لا تدعم إلا مصلحتها التي لا تتوقف عن التغير والتبدل ولكن المتعصب دائمًا ما يحاول تسخير الأحداث الإعلامية لتتناسب مع رأيه إذا كان كارهًا لمن هم في السلطة فإنه يحملهم كافة المصائب والكوارث التي تحدث في الدولة، أما إذا كان مؤيدًا لها فإنه يحمل الشعب المسئولية واصفًا إياه بالتخلف والجهل… إلخ، فالمتعصب لا ينظر نظرة موضوعية إلى المشكلة تمكنه من تحليلها ومن ثم تحديد المسئول عنها.

لا مانع أيضًا للمتعصب من تضخيم بعض الأحداث وتهويلها أو تصغير بعض الأحداث والتقليل منها، فهو يسقط وجهة نظره السياسية بشكل لا إرادي على الأحداث لتكبرها في عينيه أو تصغرها بناء على توافقها معها أو اختلافها.

 

ثالثًا: مطاطية المبادئ وتبرير العنف للجوء للغايات

 

يظهر تناقض المبادئ بشخصية المتعصب، فتارة يتمسك بمبدأ معين وتارة يتحول عنه في سبيل خدمة رؤيته وهدفه، تارة تجده في قمة الإنسانية وتارة أخرى تجده يوافق على عمليات قتل وحشية أو عمليات إبادة أو على اغتيالات أو تفجيرات عشوائية في سبيل خدمة فكرته أو حزبه أو الشخصية التي يؤيدها، ومثال مدهش على ذلك هو بعض الأشخاص كنت أتعجب لأمرهم أشد التعجب، كانوا يهتمون أشد الاهتمام بحقوق الحيوان وبالكلاب التي يتم تسميمها أو اغتيالها وبالقطط التي تم قتلها بنادي الجزيرة مثلًا، وهذا الاهتمام هو أمر ممتاز بالطبع ولكن المثير للاشمئزاز هو صمتهم التام إزاء قتل البشر أو تعذيبهم فقط لأن هؤلاء البشر يختلفون عنهم فكريًّا، فما هو المبدأ الذي يتمسك به هؤلاء هل هو الإنسانية أم الباذنجانية لا أعلم.

ومثال آخر على تغير المبادئ تجد ذلك الشخص تارة يهاجم الكذابين الأفاقين ممن ينشرون معلومات مغلوطة، ثم تجده في اليوم التالي كاتبًا منشورًا ممتلئًا بالمعلومات المغلوطة، وعند مناقشته بخصوص ذلك الأمر يخبرك بوقاحة «كله عشان البلد والروح النفسية خليك إيجابي»، هل يجب أن أكون كذابًا لكي أكون إيجابيًّا؟

الغاية لا تبرر الوسيلة إلا عند أولئك المتعصبين فإنها تبررها بمنتهى السهولة.

 

أما النتائج المترتبة على المتعصب بسبب تعصبه أو على المجتمع، فمن الممكن تلخيصها في الآتي:

-الدفاع عن الباطل.

-العدوانية والكراهية والحقد والضغينة.

-نبذه مجتمعيًّا واستخفاف الناس به وبآرائه ومواقفه المتبدلة.

-قد يؤدي تعصبه لارتكابه جرائم حقيقية أو لتأييده إياها.

-تلوية الواقع والتلاعب بالحقائق يؤدي لصناعة شبورة قد تحول دون رؤية البعض الآخر للحقيقة فيصنع المتعصب مزيدًا من المتعصبين.

– قطع النسيج الاجتماعي وتوسيع الخلاف (وليس الاختلاف) وتقليل فرص التوصل لحلول ناجحة.

-كراهية الناس لغروره وتكبره وانعزاله عن المجتمع تدريجيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد