اختلف رواد الإعلام في تحديد نوعية العلاقة بين السياسة والإعلام، فرأى بعضهم أن العمل السياسي والعمل الإعلامي يشكلان مجالين متميزين، ورأى البعض الآخر أنه لا يمكن الفصل بين هذين النشاطين باعتبار أهمية الوظيفة الإعلامية هي التبليغ وإشراك المواطنين في الحياة السياسية، وربط قنوات الاتصال بين التشكيلات المتآلفة أو المعارضة، فأضحى الجمهور مرتبطًا بما يقرؤه في الصحافة ويشاهده على الشاشة أو يسمعه من الإذاعة، لذلك فإنه لا تكتمل الحياة السياسية في الدول العصرية إلا بالإعلام والحوار الدائم، وهذا يعني أن الإعلام أصبح أحد أهم الوسائل بيد السياسة لتنفيذ سياستها سواء كانت داخلية أم خارجية. وأصبح أيضًا حقلًا مهمًا يتوجب على الدول الساعية للهيمنة العالمية السيطرة عليه عالمًيا، وتوجيهه بما يعزز هيمنتها، على وفق مصالحها، كما هو حاصل اليوم في الولايات المتحدة.

على الرغم من تعدد الوسائل الإعلامية في الولايات المتحدة كمثال إلا أن لكل وسيلة أهميتها وحضورها العالمي، إذ أصبحت رويتر والأسوشيتد بريس من أكبر الوكالات العالمية التي تنقل الأخبار والتقارير، كما أن محطتي الـCNN، وفوكس الإخباريتين هما أهم المحطات الفضائية العالمية، فضلًا عن عشرات الصحف والمجلات السياسية التي لها مكانة كبيرة في مجال الإعلام والسياسة العالميين، كنيويورك تايمز وواشنطن بوست.

هيكلة النظام الإعلامي الجديد أعطت مفهومًا أوسع عن علاقة السياسة بالإعلام، فالثورة الهائلة في وسائل الاتصال ونقل المعلومات وسرعة تداولها عبر الدول، وما ترتب على ذلك من اختصار غير معهود للزمن والمسافات بين مختلف مناطق العالم، بالإضافة إلى سرعة مواقع التواصل الاجتماعي في نقل وتداول المعلومة، إلى الحد الذي أدى إلى التساؤل بشأن مدى قدرة الإنسان على التكيف مع هذه الدرجة غير المسبوقة من السرعة في تداعي الأحداث وتلاحقها؟

أما الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في الانتخابات، فهو النافذة الكبيرة والمهمة لتعريف الناخبين بالمرشحين، وإيضاح البرامج السياسية للأحزاب المشاركة في الانتخابات، بالإضافة إلى أنه يكون محطة لكشف كذب وزيف ادعاءات السياسة والسياسيين، خاصة تلك التي تتعلق بمصير الدول. وبالمقابل تكون السياسة هي الكاشفة لكذب الإعلام، فإن أغلب متابعي القنوات الناطقة باسم الولايات المتحدة، كانوا يعتقدون أن لدى العراق أسلحة دمار شامل قبل أن يسمعوا اعترافات «كولن باول» وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، وهو يبدي أسفه أمام الشعب الأمريكي لنقله أكاذيب عن العراق لمجلس الأمن لفقتها المخابرات الأمريكية. كما له الدور الكبير في الحرب النفسية، والدعايات كما في أزمة الربيع العربي، إذ كان الإنترنت في تلك الأحداث وسيلة اتصال وتعبئة يمكن التعويل عليها، إضافة إلى تشويش أفكار الحكومات القمعية وخلخلة استراتيجيتها من خلال الحشد، وبذلك تصبح غير قادرة على تحديد من يقف وراء الاحتجاجات الاجتماعية، مما يحول بينها وبين القدرة على عزله عن المجتمع.

وبالتالي فإن الإعلام اليوم سلاح مهم بيد الدول وخاصة الدول الكبرى لتبرير سياستها الخارجية، كما في حرب احتلال العراق، إذ صور هذا الإعلام للجمهور هول المخاطر التي يشكلها العراق ليس على الولايات المتحدة وحسب وإنما على الأمن والسلم الدوليين. الثورة السورية وكيف وظف الإعلام مصطلح الإرهاب لتهكير وتحجيم هذه الثورة؟ داعش الرهبة، الدولة، التنظيم، حجم الأسلحة. كل هذا يدخل الإطار السياسي الإعلامي وعلاقتهما ببعضهما البعض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد