لكل منا طفولة، ولكل طفولة حكاية، فمنا من عاش طفولته ومنا من هي عيشته. فهذا غارق في جلباب ماضيه لا يرضى التزحزح عنه أبدًا. وذاك يرثي حنينه وشوقه دومًا لطفولته كمن يبكي على الأطلال. ولو نظرت لوهلة لأدركت مدى ارتباطه بتلك الفترة العمرية، كأنه قيس يبكي ليلاه. فيا ترى كم منا يتذكر طفولته؟ ومن منا يتمسك بها؟ ومن منا يطرحها جانبًا؟!

دعونا نتذكر سويًا!

فعبرت عن حالة صاحبنا ذاك صاحبة الصوت الملائكي «فيروز» في إحدى أغانيها قائلة: «بدي أرجع طفلة صغيرة ع سطح الجيران وينساني الزمان»، فنجد فيروز أيضًا تستسلم لحنينها وبراءتها، فقط لتستعيد طفولتها. فكما يوجد من عاشوا طفولتهم أو على الأرجح من اختاروا عيشها، فهناك أيضًا من يتجرعون حسراتها، ببساطة لأنها طفولة زائفة.

إنني أنتمي لذلك الجيل الذي تربى على مسلسل «بكار»، ذلك الطفل المجتهد المثالي. فكنت أمتثل بأخلاقه وتفوقه. فقد كان بكار هو من حببني في القراءة وأصبحت شغوفة بها حد الإدمان. فاعتقدت أن الحياة تتطلب هذه الجدية والإصرار وتحدي الصعاب لتذوق حلاوة النجاح كما علمتنا الكتب، أو كما تعودنا من بكار. فقد تلخصت أغلب طفولتنا في حياة بكار ولكن سرعان ما أدركت أننا «كلنا حسونة» ذلك الطفل المشاغب، المهمل لدراسته، والخالي من أي شغف. لا يعرف حسونة غير «السهل» كما عهدناه دومًا لا يرتضي غير الحلول الجاهزة  ولا يقبل بأي شيء إلا إذا  قدم له على طبق من فضة.

إذن أنت بكار أم حسونة؟!

وقد أحب الجميع حكاية «سندريلا» إلا أني تعجبت كيف لحذاء أن يقلب حياة فتاة رأسًا على عقب! وكيف تبدلت حياة سندريلا بعدما التقت بأميرها! فتوهمت من سندريلا أن يومًا ما حياتي حتمًا ستتبدل عندما أجد أميري. لكني اكتشفت حينما رشدت أن الأمراء يعيشون فقط في الأساطير. وعليّ أن أكون أميرة نفسي.

وسافرنا مع أليس إلى «بلاد العجائب» فأحببنا ذلك العالم الغريب المليء بأعجب المخلوقات، مخلوقات لم ترها عين من قبل، عالم يسوده الفرح والمرح، فلهذا أحببناه. عالم جديد لا يسكنه البشر كأننا خرجنا عن حدود مجرتنا. عالم خالٍ من المشكلات، ولذلك فهو عالم خارج حدود الزمن.

وما أثار دهشتنا حقًا  هو «مصباح علاء الدين» فقد أثار دهشتنا وإعجابنا في الوقت ذاته. فكيف لمصباح  معدني يشبه إبريق الشاي أن يحقق أمانينا! فكل ما عليك فعله هو أن تتمنى. فقط أن تتمنى، وهل التمني شيء هين! وما كان أكثر دهشة هو خروج جني من المصباح يقول: «شبيك لبيك عبدك بين إيديك»، وفور أن تفصح عن أمنيتك، تتحقق. أليس ذلك استخفافًا بعقولنا البشرية؟! أليس ذلك نكرانًا لقدرة الله؟! لكني أترك لكم الإجابة على هذا. فكل ما أطلبه هو فقط أن نتدبر.

وها هي طفولتنا. كانت القيم والمثل أحد أعمدتها وعندما كبرنا، توسعت اّفاقنا وفهمنا، فتهدمت تلك الأعمدة. علمونا أن كل شيء يتحقق بعصا سحرية والواقع أنه يحتاج مجهودًا وإصرارًا. فقد عملوا على إبعادنا عن أنفسنا، وتغريبنا عن محيطنا. عودونا على تقديم الحلول الجاهزة للمشاكل العويصة والتي تتطلب نضالًا مريرًا في بعض الأحيان. فكرت كثيرًا فيما علمونا حتى أدركت أننا لم نتعلم شيئًا.

أعلم أني لست وحدي من أدرك تلك الحقيقة الصادمة، لكني أكتب الآن إلى من لا يزالون يعيشون داخل الرسوم الكرتونية الزائفة، أكتب إلى المتواكلين، أكتب إلى الكسالى، أكتب إلى من يهربون إلى ذلك العالم الافتراضي، أكتب إلى الحالمين!

ويحضرني هنا قول الكاتبة أحلام مستغانمي: «الحالمون يسافرون وقوفًا دائمًا لأنهم يأتون متأخرين بخيبة»، فدعوني أقل لهم: «فلنسترح قليلًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد