أنت حر- ياعزيزي – في نطاق قدرتك التي تتمثل في المقومات الجسدية، والمقومات العقلية، والذين خلقهما الله – عز وجل- لك، ويحاسبك على أفعالك الصادرة من خلالهما.

وافتراض أنه لكي يكون الله عالما مريدا لكل ما سيكون.. بأنه لابد وأن يكون الإنسان مجبورا يسير بطريقة آلية في اتجاه محدد مرسوم له على وفق ما هو موجود في العلم الإلهي. إنما فيه تشبيه علم وإرادة الإنسان بعلم الله وإرادته. ونحن لا نعرف كنه، ولا حقيقة سر العلم والإرادة الإلهيين. ولوازم العلم والإرادة في الانسان ليس بالضرورة أن تكون هي نفسها لوازم العلم والإرادة في الإله، فعلم الله وإرادته ليس كمثلهما أي علم وإرادة.

وافتراض أنه لكي يكون الله خالقًا لكل شيء، بما فيه أفعال العباد، فيلزم ألا يكون العبد قائما بفعل نفسه، إنما فيه تشبيه الخلق والفعل الإلهي بالفعل والصنع الإنساني، ونحن لا نعرف كنه ولا حقيقة ولا كيفية الفعل الإلهي، ولوازم الفعل والصنع في الإنسان. ليس بالضرورة أن تكون هي نفسها في الإله، ففعل الله ليس كمثله فعل.

ياعزيزي: الله ليس إنسانا، حتى تلزمنا فيه بما يلزم الإنسان، بل إنك وفي ظل هذا التطور العلمي الهائل: ما زال علمك قاصرا عن إدراك حقيقة جسدك، وحواسك وطبيعة عقلك، وكل يوم يخرج لنا العلم بجديد؛ يغير الكثير من أفكارنا حول أنفسنا.

فإذا كنت جاهلًا بحقيقة صفات نفسك! فجهلك بسر وحقيقة صفات خالقك أحق وأولى. وأي إلزام لنا بالجبر، لا يصح إلا بادعاء معرفة حقيقة وسر العلم والفعل الإلهيين

ياعزيزي، الذي أوقع كثير من الفرق في الخطأ في هذا الباب، هو المقابلة بين طرفين، أحدهما شبه معلوم، وهو حقيقة العلم والفعل والإرادة الإنسانية، والثاني قطعا مجهول، وهو حقيقة وكيفية العلم والفعل والإرادة الإلهية- وهذه أسرار إلهية مجهولة لنا – والمقابلة لا تكون إلا بين معلوم ومعلوم، فلا تكون بين مجهولين، أو طرفين أحدهما مجهول والآخر معلوم.

وهذا الطرف المجهول في هذه المقابلة، إنما هو السر الذي استأثر الله عز وجل بعلمه، فلا قدرة لنا على كشفه.

وقد أشار الإمام علي- رضي الله تبارك وتعالى عنه – إلى ذلك في قوله: القدر سر الله فلا نكشفه.

وهذا هو الإمام الرازي يشير إلى حالة أولئك النفر الذين حاولوا كشف هذا السر فيقول: ومن الذي نظر في القدر فبلغ الغاية فيه حتى قطع حجة خصمه؟ ومن الذي أثبت القدر، أو من الذي أثبت الإجبار، مع كثرة نظر النّاس فيه ومجاذباتهم؛ وهل حصلوا إلّا على الوسواس والهذيان ونقض بعضهم على بعض؟[1]

ويختم الرازي كلامه بما نقله عن جعفر الصادق في قوله: القدر سرّ اللّه الذي من ترك القول بالعدل والحقّ فيه، وسلك فيه برأيه وقياسه هلك؛ وهو سرّ اللّه الذي أطلع عليه أنبياءه وأولياءه؛ ولا يوصل إلى معرفته إلّا بتوقيف منهم.[2]

وأكد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه السرية بقوله: إن القدر سرٌّ مكتوم[3]، بل نقل ذلك عن علماء السلف قولهم: إن الله علم علما علمه العباد، وعلم علمًا لم يعلمه العباد، وإن القَدَر من العلم الذي لم يعلمه العباد ورووا في – ذلك – قصة سؤال موسى وعيسى وعزير لربنا تبارك وتعالى عن سر القَدَر وأنه لو أراد أن يطاع لأطيع وقد أمر أن يطاع وهو مع ذلك يعصى، ومضمون السؤال لو أردت هذا لكان واقعًا؛ لأنك قادر عليه، فما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ثم قد أمرت به، والأمر يستلزم محبته وطلبه، فهل كان المحبوب المطلوب قد أريد وقوعه، فأوحى الله تعالى إليهم أن هذا سري فلا تسألوني عن سري،  ويذكرون أن المسيح قال للحواريين: القدر سر الله، فلا تكلفوه، والمقصود التنبيه على أن العقول تعجز عن إدراك كنه الغاية المقصودة بالأفعال، كما تعجز عن إدراك كنه حقيقة الفاعل[4]

وبين شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل ضلال القدرية هو استحضار كنه وكيفية الفعل الإنساني في دراسة وتصور الفعل الإلهي إذ يقول: (وأصل قول القدرية تشبيه الله بخلقه في الأفعال… وهذا تمثيل باطل)([5])

وفي نفس هذا الاتجاه يقول الإمام الطحاوي: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل… إن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال في كتابه: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. (الأنبياء: 23).([6])

وهذا هو السبب الذي جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – ينهى أصحابه عن الخوض في القدر. فانطلق ياعزيزي في العمل، فأنت حر مختار، تُحاسب على ما تشاء وتختار، ولا تتعارض حرية اختيارك مع كلية العلم الإلهي وشمول إرادته وقدرته، فأنت تكاد ألا تعلم إلا نفسك، فدعك من الجدل في سر مجهول لا تعلمه، فلا نهاية له ولا طائل لك من ورائه، هداني الله وإياك إلى الحق المبين.

——————

([1]) الرازي: أعلام النبوة، ص:42

([2]) الرازي: أعلام النبوة، ص:42

([3]) ابن تيمية: القصيدة التائية في القدر (ص: 179)،

([4]) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية (2/ 7)

([5]) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية (1/ 329)

([6]) شرح الطحاوية (ص: 225)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إختيار, مجبور
عرض التعليقات
تحميل المزيد