قد تتعجَّبون من تركيز العنوان على (العربي) فقط دون سائِر الأجناس، والإجابة بسيطة وهي أنَّ العرب هم الوحيدُون الذين يمضغون هذا التساؤل: هل نحن مسيّرون أم مخيّرون؟ ويبرِّرون به إخفاقاتِهم وكسَلهم ورُكونهم إلى اللَّهو والعبث والرَّاحة والتواكل، فلو سألتَ العربي لماذا لا تشمِّر عن ذراعيك وتجدُّ وتكدح، سيقول لك: لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها! أو هذا ما قدِّر لي، فكلّ شيء كتبه الله من خير وشرّ مُسبقًا، فلماذا أكلِّف نفسي عناء السَّعي وعندما يكتب الله شيئًا سيأتي حتمًا! (وهذه قد سمعتُها أنا شخصيًا).

عندما أسمع هذه الحجج والتبريرات تقفز إلى ذهني هذه الآية: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. الآية 13 من سورة المائدة.

وهناك من يلعنُ الظُّروف والدولة دائما ويلقي باللّوم على كل شيء، وهذا أقول له لو كان الصحابة رضوان الله عليهم بنفس عقليتك لما فتحوا الدنيا في ربع قرن من الزمان! فقد فهموا الآيات السابقة فهما غير فهم الإنسان العربي المعاصر، فكانوا ذو هممٍ عظيمة يعملون ويطمحون، حتى بلغوا مشارِق الأرض ومغاربها.
وفي هذا السياق تحضرني القصة التي تناولها الشيخ محمد الغزالي في كتابه (عقيدة المسلم)، وسأعرضها كاملة لشدّة بهائها وروعتها:
«قال الشيخ: سألني سائل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ فنظرت إليه في ضيق شديد، وقررت أن ألتوي معه في الإجابة، كما التوى هو مع فطرته في هذا التساؤل، وقلت له:
الإنسان نوعان: نوع يعيش في الشرق، ونوع يعيش في الغرب، والأول مسير والآخر مخير! ففغر الرجل فاه عن ابتسامة هي بالضبط نصف تثاؤب الكسالى والعجزة والثرثارين الذين ينتشرون في بلادنا. ثم قال: ما هذا الكلام إنني أسألك: هل للإنسان إرادة حرة وقدرة مستقلة يفعل بهما ما يفعل ويترك ما يترك، أم هو مجبور؟
فقلت له: قد أجبتك، الإنسان في الغرب مستقل وفي الشرق مستعمر. هناك له إرادة وقدرة، وهنا لا شيء له ، فضحك أحد الظرفاء وقال: هذه إجابة سياسية. فقلت: وإنها لدينية كذلك.
يا رجل، إن القوم في الغرب شعروا بأن لهم عقولًا ففكروا بها حتى كشفوا المساتير من بدائع الكون . وشعروا بأن لهم إرادة فصمموا بها، حتى التقت في أيديهم مصاير الأم وأزمة السياسات. وشعروا بأن لهم قدرة، فجابوا المشارق والمغارب، وصنعوا الروائع والعجائب. أما نحن فهذا رجل من ألوف الألوف التي تزحم البلاد يأتي ليستفتي في هذه المعضلة التي غاب عنه حلها. أله حقًّا عقل حر يستطيع أن يفكر به؟».

ما دام الله هو من سيفعل.. فلم علينا أن نسعى لشيء؟

عندما نلقي نظرة سريعة إلى ما آلت إليه الأمة وكيف كانت، يظهر لنا جليًّا وجود خللٍ كبير في هذا المفهوم، ويكمن هذا الخلل في القعر الذي نعيشُ فيه وهرُوبنا من المواجهة، ومحاولة التقبُّل والتعايش مع الواقِع السّلبي والانحِطاط الذي تعيشُه الأمة.

القضاء والقدر

مشيئة الله مهيمنة فعلًا على كلّ شيء، ولكن هذا لا يعني أنَّ هذه المشيئة الإلهية تُهيمن على كلّ ما يحدث وتتدخَّل بالضرُّورة في كلّ شيء. فأحيانا يترك الله عز وجل مشيئتنا تفعل وتعمل، لأنَّه قدر علينا اجتياز الإختبار على الأرض، وبذلك وجودنا يعتمد على أن تكون لنا إرادة حرّة، لنُثبت أحقيتنا بسجودِ الملائكة، أم يصدق ظنّ إبليس فينا.
وعندما تؤمن أنّك خُلِقت لتكون الخليفة، وتؤمن أيضا أنك ميَّسر لذلك.. مجرَّد إيمانك بذلك سيقدِّم لك مزيدًا من الطَّاقة للعمل، وبذلِ الجهد فيما خُلِقت من أجله.
ولكن عندما تقتنع سلفًا بأنّ قَدَرك هو العجز مثلنا نحن العرب، فإنك تكون قد قزّمت كلّ ما هو عملاق فيك، وحجَمت عن كل ما هو قادر فيك.

بالتأكيد أيها العربي.. هناك ما يحدُث لنا في هذا العالم، خارج نطاق إرادتنا، هناك كوارث طبيعية، أمراض وأوبئة، نكسات تاريخية، حروب عالمية، نيازك، موت الأحباء، أشكالنا وألواننا وألسِنتنا.. كلُّها ليس لنا خيار فيها.. لكن ما يمكن أن نختاره هو سلوكنا وقصدنا، يمكن أن نختار الاستسلام لهذِه المصائب بصفتها قدرا لا رادّ له، ويمكن أن نقف بوجهِها كما يجدر بالخليفة أن يفعل، فيقف ثابتًا في الامتحان ويثبت كفاءته وأهليته كإنسانٍ فضَّله الله على سائِر المخلوقات.

الإسلام بريء

القدر في القرآن عقيدة إيجابية جدًّا، وتركز أساسا على التوازن الذي خلق فيه هذا الكون، ويكون الإيمان بهذا التوازن مرتبطا بالإيمان بدورك فيه، في جعل التوازن حقيقة معاشة وليست مجرد فرضية مبهمة. وهذا ما يتماشى مع الآيتين (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) و(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، بمعنى أنَّ الله خلقنا لنعبده، وهذه العبادة ليست شعائر مجرّدة، وإنما هي خلافته على الأرض، وبمعنى آخر، أن تكون خليفة في الأرض، يعني أن تعمل على جعل الأرض مكانا جيدا كما يريده الله سبحانه وتعالى، من خلال القيام بأوامره واجتناب نواهيه والتمسُّك بمنهجه في الحياة حتى لا يختلَّ التوازن الاجتماعي وتنهار الحياة الاجتماعية بين الناس.
كما يقول الدكتور خيري العمري: كلُّ فعل أمر في القرآن الكريم، هو حجَّة وبرهان ضد كلِّ من يقول إنَّ الله خالق أفعالنا وإنَّنا مجرد موضع لتنفيذها، فكلّ أمر في القرآن يعني أنّه يكلفنا بأمر ما، ومادامَ يكلفنا، وهو العدل الحق، فإنَّه لا يمكن أن يجبرنا على الفعل.
وهناك العديد من الآيات التي تلغي عقيدة الجبر: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).
فكلُّ نفسٍ مأخوذة بعملها، ولا يكون الإنسان رهينة عمله إذا كان مجبورًا!
ونختم بقول الدكتور مصطفى محمود في كتابه الشيطان يحكم: أقول إنَّ الإنسان حر ٌّ مطلق الحرية في منطقة ضميره.. في منطقة السريرة والنية.. فأنت تستطيع أن تجبر خادمك على أن يهتف باسمِك أو يقبِّل يدك، ولكنَّك لا تستطيع أن تجبره على أن يحبّك.. فمنطقة الحب والكراهية وهي منطقة السَّريرة منطقة حرَّة حررها الله من كلّ القيود ورفع عنها الحصار ووضع جنده خارجها.
نحمد الله على أن هذه العقلية طاغية على العرب، وإلاَّ لما تمكنّا من الوصول إلى ما اكتشفناه اليوم من تطوُّر علمي وتكنولوجي سهّل حياتنا، ولكنَّا لا نزال نعيشُ في العصور الوسطى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد