جلستُ مع شخص عربي من “حاملي الجنسيات الغربية” جلسة تعارفية طويلة نوعًا ما، (فوق الثلاث ساعات)، ذكّرني فيها بشكل أو بآخر أنّه يحمل جنسية غربية ما يزيد عن الثلاثين مرة، طبعًا منذ أول ثلاث دقائق عرفت أنه حامل لهذه الجنسية، وأنّ هذا الأمر يشكل بالنسبة له قيمة مضافة أو مزية عن بقية بني البشر.

على الطّرف الآخر، أحد أقاربي أيضًا يحمل جنسية غربية منذ أن خطّ شاربُه”أعرفه مذ كنت طفلًا”، عدد المرات التي سمعت فيها كلمة جنسية غربية من صاحبنا الأول في ثلاث ساعات يفوق عدد المرات التي سمعتها من قريبي خلال عشرين سنة، قريبي هذا إن لم تعرفه عن قرب لن تدرك أنه يحمل هذه الجنسية، الأمر بالنسبة له قضية عادية ولا تتمحور حوله حياته.

ما سبق كان مقدمة لما أريد الحديث عنه..

هل انبهارنا بالآخر الغربي أمر سيء؟ أم هو شيء طبيعي نتيجة لواقعنا المتردي! ما هي حدود ذلك؟

بكل تجرّد وموضوعية، بشكل عام، برأيي لا يمكننا إلّا أن ننبهر بالغرب، “أنا هنا أتحدث عن المعاني اللغوية للكلمات ولا شأن لي بالمصطلحات”، التقدّم الحضاري والمعرفي والعمراني، بل وحتى الأخلاقي “على صعيد الرقي في بعض السلوكيات الفردية”  كل هذه العوامل تحتّم علينا أن ننبهر بما لدى الشعوب الغربية، أي كلام غير هذا برأيي مكابرة في غير موضعها، مكابرة نسيء بها لأنفسنا في المقام الأول.

الطلّاب أكثر من يشعر بالفجوة الحضارية بيننا وبين الغرب، شخصيًا شعرت بذلك عندما بدأت بالدراسة مع جامعة بريطانية،  أدركت أننا لا نزال نلهو بالرمل على شطآن العالم في حين أن الغربيين يمخرون عباب الكون.

لا أنكر، بل وأعترف، في بداية رحلتي لدراسة الماجستير انبهرتُ تمامًا، والانبهار في اللغة هو لحظات من اختطاف البصر عند مواجهة ضوء شديد السطوع، هذا تمامًا ما حدث لي، اخُتطِفَ بصري وتفطّعت أنفاس فضولي وأنا أتصفّح الدوريات والمجلّات العلمية العريقة، وأنا أقرأ مقالات مكتوبة بلغة علمية رصينة تستند لأرقام وإحصائيات موثّقة، منهجية علمية محكمة تضمن تراكم المعرفة وانتقالها بسلاسة من جيل إلى جيل، ونحن للأسف لا نزال في جامعاتنا في كثير من الحالات نبحث جاهدين عن طريقة لإرضاء غرور بعض الدكاترة، ومجاراة نرجسيتهم لتحصيل علامات النجاح، في مظهر استبدادي فاقع لتحكم فئة قليلة من البشر بمستقبل طلاب ناشئين ما زالوا ينظرون إلى الحياة بعيون الأمل.

 

حسنًا.. إذا كان لا بدّ لنا من الانبهار فعلامَ اللّوم أو العتب؟!

المشكلة برأيي تبدأ عندما يتجاوز الأمر عتبة الانبهار (الذي من المفترض أن يدوم لفترة وجيزة فقط، لحظات تسترد بعدها بصرك، ثم تعود لتتحسس روحك من جديد). المشكلة الحقيقة تبدأ عندما تصيبك الحكّة من الجلد الذي يغطيك وترغب باستبداله، عندما تنظر بازدراء إلى القوم الذين خرجت من بينهم، عندما تبدأ بإطلاق الشتائم على العرب وتستخدم ألفاظًا من قبيل (العُربان) بقصد انتقاص بني قومك، وكأنك قد جئت من المريخ، وكأنّ أبوك قد تربّى بين حارات زحل وفي أزقة عطارد. تكمن المشكلة الحقيقية عندما يعميك الضوء المبهر فلا تعود تعرف تضاريس وجهك، عندما تتنكّر لسمرة سواعد أبيك وجدك.

هنا قد يبدأ مرض خفي يسري شيئًا فشيئًا، يبدأ الأمر بانبهار طبيعي ومبرر، فإن ارتدّ إليك بصرك، انتعشَتْ ببعض النور بصيرتك، وانطلقتَ تستلهم الخير من كل مكان لتنيرَ عالمَك وتضيء طريق أهلك وأصحابك. ولكن إن تحوّل الانبهار إلى عمى ألوان، فنسيتَ أو تناسيت نفسك، صرت حينها كفرخ البط الذي تربّى في عشّ اللقالق، لا هو عاد يستطيع السباحة كالبط، ولا الطيران لمسافات طويلة كاللقالق.

ما تنالُه يا صديقي بتحصيلك للجنسية الغربية هو ورقة تضيفها إلى سجلك من الأوراق والشهادات، ورقة ربما ستسمح لك بمزيد من حرية التنقل، وربما حفنة من الحقوق ممزوجة ببعض الواجبات، لكن في النهاية يبقى الأمر مجموعة أوراق ووثائق، وتبقى أنت أنت، تبقى الدماء التي تجري في عروقك عربية، يبقى نَفَسُك عربيًا، حتى رائحة العرق التي تخرج في لحظات إجهادك عربية، والآن صار مثلك كثير، كَثُرَ وَسيكثُر

حاملي الجنسيات الغربية من مختلف المشارب الاجتماعية والبيئات الثقافية، ربما هذا من المنحة التي جاءت مع محنة الهجرة و اللجوء، فاختر لنفسك موقعًا صحيًّا بينهم، تعلّم لغات القوم واتقنها، انهل من علومهم، أحبّ من يُحسن إليك، استفد منهم وأفدهم. ولكن لتبقى أعينك دومًا متجهة نحو الشرق، ليبقى قنديله مضاءً في قلبك, ولتبقى سفن روحك مشرعة باتجاهه، إياك أن تنسى من أنت، إيّاك أن تتناسى، لأنّك إن حدث ونسيت، فصدّقني ستُنسى، وحينها لن تجد أبدًا من يذكرك، وإن بحثتَ وبحثت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد