دائمًا ما كنت أرى مناظر القتلى بالحروب، ودائمًا كنت أسمع صرخات المعذبين بلهيب السياط، ودائمًا ما كنت أبصر الأسرى وهم ينتزعون من عوائلهم ويحبسون خلف القضبان، ودائمًا كنت أرى النازحين من بلادهم وهم يصارعون أمواج البحر، ودائمًا كنت أتخيل الرعب الذي يصيب من يسمعون القصف في ظلام الدجي وأتخيل ألمهم وجزعهم وأسمع مناجاتهم وهم يتضرعون لله أن ابعد عن سقف منزلنا الصواريخ واحمنا من شر القصف.

كنت دائمًا أرى هذا وأتألم وأجزع له، ولكنني رغم كل ذلك لم أتخيل يومًا أن يمتد هذا العذاب ليصيب الأطفال ويردي أرواحهم تلك الأرواح البريئة التي لا تعرف من هذا العالم شيئًا سوى أحضان أمهاتهن.

منذ فترة رأيت مقطعًا لطفل فلسطيني لا يظهر من ملامحه شيءٌ بسبب تهشم وجه، وكانت رأسه مهشمة وكأنها هرست بشاكوشٍ، ما كانت رأسه إلا حفنة من اللحم المختلط بالدماء عرق ظاهر هنا وعرق ظاهر هناك، وريد هنا ووريد هناك، شريان هنا وشريان هناك، وكانت دماؤه تسيل من رأسه على كل شيء، وكانت تسيل على جسده حتى خضبت ملابسه، ملابسه التي أصبحت خرقًا ممزقة مخضبة بالدم كاشفة عن جسد هزيل شرح تشريحًا حتى صار كالرأس بل أَمر، كان الطفل عبارة عن قطعة من اللحم المفروم، حتى لم يعد بالإمكان تصور أن هذا كان إنسانًا سابقًا، ليشكل بهذا المنظر صورة مرعبة يشيب لها الولدان؛ لم يكن سوى قطعة من الأشلاء في أيادي المسعفين ومات مجهولًا، مجهول الهوية، مجهول الشكل ليمثل كل طفل مات في هذا العالم على يد الاحتلال الصهيوني وعلى يد أي احتلالٍ آخر، مات ولكنه ظل دليلًا ناطقًا رغم موته ليدين العالم كلهُ أمام محكمة القضاء العادلة يوم الحساب.

ومقطع آخر لطفل عراقي استخرجه المنقذون من تحت حطام أحد المباني، كان طفلًا في حوالي الثالثة من عمره كان حيًا ولكن بحياة غير الحياة، كان يحدق في الجميع بذهولٍ ولا يفعل شيئًا سوى شرب جرعات من الماء، وعندما قدموا له طعامًا لم يدرِ ما هو لم يدرِ ما هو الطعام! كان خائفًا ويرتجف وكأنه في عالمٍ آخر أو وكأنه لا يعرف شيئًا من العالم إلا ذاك العالم الذي قضاهُ بين الحطام والأطلال لمدة أيامٍ طويلة امتدت لأسابيع منبوذًا من قِبَلِ البشر ومنسيًا من قِبَلِ رحمتهم.

والمقطع الثالثُ وهو أفظعهم كان مقطعًا لفتاة سورية من درعا ماتت أثناء قصف المدينة، كان جسدها عبارة عن قطعتين قطعة الرأس وقطعة الجسد فقد قطع الرأس وفصل عن الجسد، ألك أن تتخيل أيها القارئ شيئا بهذه القسوة؟! كانت معالم وجهها تنطق بالألم والقهر رغم انقطاعها عن الحياة وكان جسدها – وجزعي على جسدها – كان عبارة عن شرائط لحم، لأنهم قد قطعوا كل ما فيه الكبد والطحال والمعدة حتى أن يديها كانتا مشرحتين كان جسدها مسجى على قماشة حقيرة وهو فارغٌ من كل شيء وكل ما بقي منه لحم مشرح؛ ولم تكن هي فقط هكذا بل كانت جثث كل الأطفال الذين جاورها هكذا أيضًا!

بالله عليكم أجيبوني كيف يحدث هذا، كيف نتركهم ليقتلوا؟ كيف نترك الأطفال البريئين ليقتلوا؟ كيف نترك ملائكة الأرض لتقتل هكذا؟! أعوضًا عن أن يوهبوا حياة مملوءة بالحب والعناية ويتعلموا ويتربوا ليحملوا شعلة المستقبل ويُحْمَوا من شر هذا العالم، إذ بهم يستيقظون من غفواتهم على أصوات المدافع، إذ بهم يهربون من بيوتهم وبلادهم إلى قوارب النجاة التي هي ليست إلا قوارب موتٍ وإلى البحر الذي يهيج كما يهيج هذا العالم فيغرقهم، وإن كانوا محظوظين يصلون إلى اليابسة إلى بلادٍ لن تكون إلا مرحلة أخرى من مراحل عذابهم، إلى بلادٍ يتشردون بها ويعانون فيها ويكون الموت أهون من كل هذا، إذ بنا نتركهم في المخيمات والملاجئ حيث يصارعون للحصول على فتات لا تسمن ولا تغني من جوع، إذ بهم ييتمون وإذ بهم يبكون ويتوجعون، وإذ بهم يُخْنَقُونَ حتى الموت، إذ براءتهم الصغيرة تُخْنَق بالغاز، والأدهى من كل ذلك إذ بهم يُقْتَلُونَ وينكل بجثثهم وإذ بها تمزق إلى أشلاءٍ وتقطع كما يقطع الجزار ذبيحته بل وأقسى من ذلك، إذ بهم يتعرضون إلى أكثر العذابات آلمًا في تاريخ البشرية.

وبعد كل ذلك الذي يحدث، إذ بنا واجمون لا نبدي اعتراضًا لا بيدٍ ولا بلسانٍ ولا حتى بقلبٍ! أني لكل ذلك أن يحدث ونحن صامتون؟ كيف لنا أن نتركهم ليقتلهم كلُ من هبَّ ودبَّ؟ أليس هؤلاء الأطفال هم أبناؤنا؟أليس من المفترض أن نحميهم من بطش قاتليهم؟ ألسنا آبائهم المكلفين بالدفاع عنهم؟ إلى من يلجأون بعد أن تركناهم؟!

ما ذنبهم؟! ما ذنبهم؟! أيحملون هم ذنب نزاعاتنا وحروبنا واختلافاتنا وحقد قلوبنا؟! هم الذين لا يعون ولا يفهمون معنى هذه الأشياء أصلًا، كيف نترك طفلًا يتحمل ذنب سياسات العالم وهو بالكاد يستطيع نطق هذه الكلمة؟! كيف نجعلهم ثأرًا يشفي أعداؤنا انتقامهم فيه؟! أنجعلهم ضحية أعدائنا وكرهنا وتفرقنا وتشرذمنا؟! أصرنا هينين لهذه الدرجة حتى لم نعد قادرين على حماية أطفالنا؟ اتفقنا على التفرق وتركناهم في مرمى الرصاص؟! ألا ندرك أن قتل الأطفال عمل تخجل منه النفوس السليمة؟! أم أن مرض نفوسنا تخطى كل معقول؟! ألا ندرك أن النهي عن قتل الأطفال أمر من الله ولا يوجد أي مسوغٍ له؟! ألا ندرك أننا سنقف يوم الحساب لنحاسب؟! لنحاسب أمام الله لأننا تركناهم لأننا تركنا المستضعفين يقتلون؟! ألا ندري أن هؤلاء الأطفال سيأتون ليقتصوا منا في موقف الحشر ليقولوا لنا: بأي ذنب قتلنا؟! بأي حجة تركتمونا لقمة سائغة للأعداء ليعذبونا وبأي حجة لم تدافعوا عنا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد