تخيل رجلين يجلسان في منتصف عربة قطار يمضي في طريقه بسرعته المعتادة، ثم حدث أن اختلفا إن كان السير للأمام يوصل إلى الغاية المنشودة أم السير للخلف؛ فقام أحدهما وسار باتجاه مقدمة العربة فيما سار الآخر باتجاه مؤخرتها، هل ترى أي فارق بين الاثنين؟!

ما نتحدث عنه هنا هو السياق أو الإطار الذي يتم فيه الحدث. فقد تختلف رؤى البعض حول أمر من الأمور، وقد يصل الخلاف إلى ذروته فتكثر الطرق وتتعارض الاتجاهات؛ لكن في النهاية تظل حركة الإطار الجامع هي الحركة الوحيدة المؤثرة والفاعلة في الحدث والشخوص على السواء!

ما لم يدركه الاثنان المختلفان داخل العربة هنا أنهما في الواقع ليسا مختلفين على الإطلاق، وأن السير لمقدمة العربة تمامًا كالسير لمؤخرتها، إذ إن العربة كلها تسير مع القطار في اتجاه محدد مسبقًا لا يمكن تغييره!

وقد يظهر شخص ثالث في العربة يعي تلك الحقيقة، فيقرر أن يقوم بخطوة فاعلة غير عبثية؛ كأن يحاول السيطرة على القطار بنفسه مثلًا، إما باستمالة السائق، وإما بإجباره، أو حتى بإزاحته كليًّا وأخذ مكانه. لكن هذا الشخص في الحقيقة لا يقل حمقًا عن صاحبيه، ولا يقل فعله عبثية عن فعلهما!

فبفرض أنه سيطر على القطار بنفسه، ما الذي يستطيع عمله حينها؟ وهل في إمكان القطار أن يترك القضيب؟ وهل لدى سائقه أي فرصة لاختيار طريقه بحرية بناء على قناعاته؟ وهل بإمكانه إلا أن يتحرك للأمام أو للخلف أو يتوقف في مكانه، لكنه أبدًا لن يخرج عن المسار المرسوم له والذي حدده سلفًا آخرون!

ما لم يدركه الثلاثة هنا أنه لا معنى ولا تأثير لأي فعل يقومون به طالما ظلوا داخل القطار، وأن الفعل الصحيح الوحيد أمامهم هو مغادرة القطار؛ حينها قد يكون لاختلافهم وتشاحنهم وتعدد اختياراتهم معنى وجدوى.

ولنحاول الآن إسقاط هذا الكلام على مثال عملي حتى يمكننا التأكد، ولنفترض أن هناك نظام حكم قرر إجراء استفتاء شعبي على موضوع ما. بالطبع سيذهب مؤيدو الموضوع للتصويت بنعم، في حين سيذهب معارضوه للتصويت بلا. أما الفئة التي تعارض نظام الحكم كله فستقرر إسقاط شرعية الاستفتاء عبر المقاطعة.

في الحقيقة، وبقليل من التمعن، لا نجد فارقًا يذكر بين الفئات الثلاث! فتبعًا لقواعد المنظومة الانتخابية وآلياتها التي يستخدمها النظام هنا، فإنه أمام الناخب ثلاثة اختيارات، التصويت بنعم، أو بلا، أو المقاطعة؛ ما يعني أن الفئات الثلاث التزمت بقواعد المنظومة وآلياتها تمام الالتزام، بل وساهمت في إقراراها وشرعنة ما يتمخض عنها!

بل إن الفئة الثالثة التي ينظر إليها بأنها أكثر الفئات وعيًا وفهمًا هي في الحقيقة أكثرهم حمقًا وغباءً! ففي الوقت الذي أدركت فيه الفئتان الأوليان أنهما يتبعان النظام باستخدام قواعده، توهمت هي أنها تحاربه باستخدام قواعده أيضًا! في حين كان عليها -إن أرادت أن تحاربه حقًّا- أن تقوم بإفساد الاستفتاء كله بأي شكل (أو على الأقل تسعى لذلك بكل طاقتها)!

والأمثلة الواقعية كثيرة، وعلى كل الأصعدة: فالقائل بثبوت حد الرجم على الزاني والقائل بعدم ثبوته يقران بأن الزنى جريمة شرعية تستوجب الحد، والقائل بمصرية جزيرتي تيران وصنافير تبعًا لحكم القضاء الإداري، أو سعوديتها تبعًا لحكم الأمور المستعجلة يقران بحجية أحكام القضاء -بمنظومته الحالية- في التنازل عن بعض الوطن، والمنادي بالمستبد العادل والمؤيد للمستبد الظالم كلاهما يقبلان الاستبداد!

والأمثلة كثيرة كما قلنا، وتستطيع أن تجرب بنفسك لتتأكد أنك ما لم تخرج أولًا من إطار الشيء، فإن كل ما تفعله لمواجهته لا يعدو كونه تنقلًا بين مقعد وآخر داخل عربة قطار يمضي في مسار، حدده سلفًا آخرون، إلى هذا الشيء عينه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد