لا أظن أن شخصًا لم يسمع من قبل بكلمة برمجة أو برامج؛ فهي متداولة بيننا بشكل يومي، خصوصًا بعد غزو الهواتف الذكيّة والتكنولوجيا الرقمية كل مناحي حياتنا، فأصبحنا نُبرمج بسهولة فائقة منبّه الاستيقاظ، وتطبيقات الألعاب والطقس والرياضة وما إلى ذلك، لكن ماذا لو استطعنا برمجة إنسان سوي؟ بحيث يُلبي كل طلباتنا وينصاع لأوامرنا كما نريدها أن تكون، فهل ننجح في ذلك؟

إن برمجة الإنسان اليوم أمر ممكن، بل وهي شائعة في محيطنا، وإن كنّا لا ندري ماهية هذه البرمجة، وكيف تدور رحاها، والإنسان منا حين يُقبل على هذا العالم، فهو يأتي مهيّئًا للتفاعل مع برامج عديدة يجد نفسه منغمسًا في تعليماتها منذ أن يعقل بوجوده في الحياة ويستوعبه.

هذه البرامج عبارة عن خليطٍ معقّد من الموروثات والعادات والتقاليد التي تنعكس كلها بشكل مباشر على شخصية الفرد، وبالتالي تُقيّد حريته الطبيعية داخل مجتمعه، فيتحوّل إلى كائنٍ يردّد مجموعة من الأنماط والسلوكيات التي تدخل في نطاق نظامه المبرمج، والأصل أن الإنسان يولد خاليًا من أي برنامج كان، يولد على الفطرة المجرّدة من أي انسياقٍ، سواء لجهة أو دين أو عرق، فيأتي إلى هذا العالم صفحة بيضاء، لا تجد فيها أثرًا لقطرة مدادٍ من أي لونٍ كانت، وشيئًا فشيئًا يبدأ بياض هذه الصفحة بالاختفاء في نفس الوقت الذي يبدأ فيه السواد بالتوسّع والانتشار، إلى أن يُسيطر على كل أركان الورقة البيضاء أو يكاد، فالطفل الصغير مثلًا لو لمْ يولد في أسرةٍ عربية لما تكلَّم العربية أو سمع عنها، ولو لمْ يصادف عند قدومه أبوين مسلمين لما اتخذ الإسلام دينًا، ولو لم ينشأ في أسرةٍ محافظة لما بقي إلى جانب أبويه بعد أن يبلغ أشده (18 عامًا)، ولو لم يتلقَّ التربية الصالحة لما ترعرعَ في مجتمعه فردًا صالحًا، وبالتالي فالإنسان ابن بيئته، وعبد للمؤثرات الخارجية باختلاف أنواعها وأشكالها.

لكن في المقابل هل يملك الإنسان المقومات الأساسية لكي يُخضعَ حياته لنمطٍ معين؟ أم أنّ الأمر أشبه بالبرمجة الحتمية التي لا مناص منها؟

الجواب عن هذا السؤال يُحيلنا إلى تعريف مفهوم الفطرة التي يولد عليها الإنسان، وقد ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. ودقّة الحديث هنا تتجلى في استعمال كلمة أبوين، وليس والدين؛ لأن الوالد هو الأب الصلبيّ للولد، قال تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حسنا، بينما الأب ليس صلبيّا بالضرورة، فقد يكون مربيًا فيدخل في نطاقه المعلم والمرشد والداعية وغيرهم ممن يستمد الولد منهم عند نشأته في المجتمع رصيده المعرفي والتربوي والسلوكي، والفطرة هي بمعنى الصبغة أو الحالة التي خلق الله عليها الإنسان من روحٍ وما فيها من سموّ وبصيرة، ومن جسدٍ وما فيه من جمالٍ وكمال، فالفطرة إذًا مجموع العادات الطبيعية التي تتلاءم وتتناغم مع تكوين الإنسان الروحي والجسدي.

والفطرة في الحديث عمومًا تعني فطرة التوحيد أو التدين كما قال المفسرون، قال تعالى في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، فتأتي المؤثرات الخارجية باختلاف روافدها لتُغيّر للإنسان اعتقاده الأصلي وتُحيله إلى توجّه مغايرٍ يجد نفسه مقيّدًا فيه بلا رغبةٍ منه ولا إرادة، إنه نوع من البرمجة المحكمة التي تعطي لنا إنسانًا بمرجعياتٍ واعتقاداتٍ مبنية محددة.

هل أنت قابلٌ للبرمجة؟ هل أنت قادرٌ على بلوغ الحقيقة وكشف النقاب عنها دون مرجعٍ أو واسطة؟

اعتبر العالم والفقيه الطاهر بن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) أن الفطرة ما وافق العقل البرهاني والتفكير السليم، لذلك جُعلت المخترعات الحديثة من الفطرة، وكل ما وافق الواقع الحسي مثبتا حقيقةً واقعية وليست نظرية، وكذلك العوائد السليمة التي تعارف عليها الناس كالسماحة واليسر، لكنه حدّد أربع مشوهّات للفطرة وهي: التلقينات الضالة، والعوائد الذميمة، والطبائع المنحرفة والتفكير الضار، وهي تقريبًا الجانب السلبي لمقومات المفهوم الفطري، وإذا كانت الطبائع من صفات الإنسان الملازمة لشخصه، فإن التلقينات الضالة والتفكير الضار هما من بين المعوقات التي تؤثر سلبًا عليه من جهات خارجية، وبالتالي فالإنسان يبقى مسؤولًا عن كل ما يُنتجه فكره الذي قد يجرّه إلى ما لا يُلائم فطرته السوية، فهو قادرٌ بل مجبرٌ على أن يقف سدًا منيعًا في وجه كل محاولة ترمي لاقتياده وبرمجته، وأنتَ بما حباك الله به من عقلٍ وفكرٍ وحواس، أهل لأن تَصون نقاءَ فطرتك وتُطعّمَها بما يُناسب إرادتك الكاملة وحقّك في التفكير القويم، لأنَّ توفّر العقل يُوجب التكليف والمؤاخذة، والعتاب والعقاب، فلا يتغلَّبُ عليك دعاة الضلال بعاملِ التخويف أو الإطماع فتتبعهم طوعًا أو كرها، ولا يُملي عليك أستاذك أو مربّيك بما يراه هو حقّ الصواب فيُجبرك بما له عليك من سلطة لتتبنّى فكره وتقتفي أثره، ولا تُعيد استهلاك العادات والتقاليد الموروثة أبًا عن جد إلا أن تقف عندها موقف المتأمل فتُغربلها وترى ما يوافق منها السريرة الصالحة والسجيّة النبيلة فتحتفظ به وتضمّه ضمًا، وما يخالفهما فتتركه وتنفر منه، ولا تهيم في الكتب والمجلدات فتصدّق كل ما ورد فيها من أفكارٍ وآراءٍ دون بحثٍ مستفيض وتقصّ للحقائق، فالله عزّ وجلّ لم يُفوّض أمر تبليغ الرسالة، إلا إلى الرّسل المعصومين عن الزلل، المُنزّهين عن الخطأ والزيغ، وليس لأناسٍ عاديين مهما علت درجة ورعهم وتقواهم، وأقرنَ مهمتهم الشديدة هذه بمعجزاتٍ مبهرةٍ خارقةٍ تعزّز حجتهم وليس بكلامٍ معسولٍ منمّق، حتى يكونوا أهلًا لهدي الضالين من الناس؛ لأن مهمة اقتياد الإنسان العاقل العارف من أصعب المهمات التي يمكن أن يصادفها مرشدٌ أو رسول.

وإذا وُجد في الإنسان ما يُؤثر فعليًا على فطرته الأولى ويلوثها، إلا أنه مع ذلك يمتازُ عن باقي المخلوقات الأخرى بنعمة العقل الذي بِفضله يميز الخبيث من الطيب، والصالح من السيئ، والصادق من المنافق، وفي قوله تعالى: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ، دليلٌ على أن إعمال العقل كفيلٌ بتجنيب الإنسان المحظورات والمهلكات، ثم إن الإنسان مطالبٌ باستغلال عقله وما فيه من قدراتٍ ونعمٍ قدر المستطاع، فهو السبيل الوحيدُ لفكرٍ نقيٍّ نيّر يحمي إرادته الحرّة ويرتقي به إلى مراتب الصفاء والسؤدد، قال تعالى في سورة الروم: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، ويقال كذلك، العقل ينمو إن استعمل، وينقص إن أهمل.

إن الإنسان كائنٌ حرّ، وهو أبعد ما يكون عن البرمجة المطلقة، رغم كل الضغوطات والمنغصات الخارجية إلا أنه مخلوقٌ مُكرَّمٌ منزَّهٌ من أن يتحوّل إلى آلة مُبرمَجة بدقّة يخضع لها وِفق نظامٍ محدد الخطوات، والعقل البشري يتوفر على الحد الأدنى من الذكاء الذي يُمكّن صاحبه من الإدراك والتقييم واتخاذ القرار. فأنتَ إنسان حرّ، وحريتك هي جزءٌ من تواجدك في هذا الكون، وهي جزءٌ من تركيبتك المعقدة، وهي إضافة إلى كل النّعم التي متعك الله بها، وهي طرف رئيس من المعادلة المتوازنة التي تضم بين حدودها معاملات الأمانة المتحملة والعقل والمسؤولية والإرادة الإنسانية، فما عليك سوى أن تمنح الحق لتفكيرك، وتطلق العنان لمكنوناتك الداخلية المحبوسة، وشغفك الفطري بكل ما هو جميل، لتعرف ماهية الحياة وجوهرها، ولتتذوق طعمها الحلو، وتستشعر إحساسها الدافئ، حتى تنكشف لك الأمور على حقيقتها، وتنهال عليك الأجوبة لأسئلة كنت تظن من قبل أنها عصية على الفهم والإدراك، فتضمحل أكاذيب المجتمع أمامك، وتذوب أساطير الأولين، وتتساقط الأفكار الوثنية من رأسك لتحل محلها أفكار هي نتاج لما وصلت إليه من نضج إنساني، وصفاء روحي وتصالح مع النفس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك