لا شك أنه سبق لك وسمعت نصيحة، تخبرك بحتمية السعي للخروج من منطقة راحتك والابتعاد عن منطقة أمانك، لتنعم بفضاء أرحب، وتكتشف إمكانيات وقدرات لديك قد لا تعلم بوجودها.

فمنطقة «الأمان» أو «الراحة»، أكبر عدو لك، يعيق تطورك الشخصي، ويمنع تنمية ذاتك للأفضل، بميلك الدائم إلى عمل الأعمال نفسها، ومصاحبة الأشخاص نفسها، والتفكير بالطريقة نفسها، فهي منطقة الوهم المريح، والسلام الداخلي المزيف.

ومن أهم مظاهر منطقة الأمان في العلاقات الاجتماعية، الاطمئنان لثناء الناس، والركون إلى مدحهم الزائد، وإطرائهم المبالغ فيه، على مستواك الفكري، وأخلاقك الدمثة، بشكل يجعل نفسك الأمارة بالكسل، تحدثك أنك قد وصلت للمستوى المطلوب، وأنك خير من غيرك، وألا سبب يبرر سعيك للأفضل.

والثناء الموهم الذي يحشرك في منطقة الراحة المزيفة، ويمنعك من التطور والتقدم، والسعي لمستويات أعلى مرده إلى ثلاثة أسباب:

أولًا: ثناؤهم على ما يظنون فيك

حينما يثني عليك أحدهم ثناء مبالغًا فيه، أول من يعلم حقيقته أنت، فإنما يثنون على ما يظنون فيك، وما يتوهمون وجوده عندك، فإن خدعتهم صورتك الظاهرة، فلا تنخدع معهم، واعرف قدر نفسك وأنزلها منزلتها.

ورحم الله طبيب القلوب وحكيم الإسلام، صاحب الحكم الذهبية ابن عطاء الله السكندري القائل: «الناس يمدحونك لما يظنونه فيك، فكن أنت ذامًّا لنفسك لما تستيقنه منها، فالعاقل لا يترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس».

ثانيًا: ثناؤهم تملقًا ومجاملة

من آفات مجتمعاتنا المعاصرة ظاهرة النفاق الاجتماعي، التي تظهر عند بعض النَّاس في صورة التظاهر بالصِّدق والحبِّ وقلوبهم ملؤها الحِقْد والحسد، وعند آخرين بالمدح المبالغ فيه والثناء الكاذب على أخلاق مزعومة وقدرات غير موجودة.

فثناء بعض الناس هو محض نفاق اجتماعي لخوف أو طمع.

ثالثا: ثناؤهم لأنهم أقل منك

أما النوع الثالث وهو ما يهمنا أكثر في هذا المقال، فهو ثناء بعض الناس على من هو أعلى منهم، بعبارات المجاملة والإطراء والانبهار، فيفسدون عليه نفسه، ويدخلونه مرحلة التًّزبُّب قبل التحصرم، ويوقعونه في الوهم المريح، فيصدونه عن السعي نحو الاستزادة والتطور.

فثناء بعض الناس عليك، ليس مردُّه إلى قوة فيك، وإنما لضعف فيهم، فثناؤهم عليك كثناء أعور على قدرات أعمى، أو كَحكِّ أجْرَب لمن هو أقل منه جَربًا، فإن أردت السلامة لنفسك، فتنبه لكلمات من حولك جيدًا، وفرِّق بين الصفات الموجودة حقًّا لتكريسها، والمتخيلة في عقول من هم دونك، فاعمل على الوصول إليها ومحاولة جعلها حقيقة، وإيَّاك والانخداع بالراحة في منطقة «الجَرَب».

فمنطقة الجرب تجعل الجُرْبَ (جمع أجرب)، يتفاضلون بينهم بحدة الإصابة بالجرب، فيجعلون الأقل إصابة ملكًا وبطلًا لا يشق له غبار، رغم أن الواقع الذي يراه من عُوفِيَ من الداء أنهم كلهم مرضى ومبتلون، وتفاوتهم في حدة الإصابة لا ينفي عنهم التلبس بالمرض.

فليَكُن هاجسك هو الهروب من هذه المنطقة قدر المستطاع، وسعيك الدائم هو الترقي في سلم من تعافى من الجرب، فوجودك في أسفل سلَّم الأصحاء، مع السعي الدائم للتطور والتعلم والطموح للأفضل، خير لك من اعتلاء سلم المرضى، الهائمين في الغيبوبة السعيدة، والسكارى بالأحلام الخادعة والوهم المريح.

وتنبه دائمًا إلى أن الأجرب لن يحك له إلا أجرب مثله؛ لأن الأصحاء بعيدون جدًّا عن هذه المنطقة، لعلمهم بخطورتها، وخوفهم المشروع من العدوى، ورحم الله القائل:

وَمَا يَنْفَعُ الجَرْبَاءَ قُرْبُ صَحِيحَةٍ ** إِليْهَا وَلَكِنَّ الصَّحِيحَةَ تُجْرَبُ

لذا في كل مرة يبالغ في مدحك مادح، احذر أن يكون أجربَ، واسأل نفسك هل أنا أجرب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات