كُتاب طيبون، وقُراء أطيب!  الكتاب الجيد هو ما لا يعطيك برهة للملل أو استعجال الصفحات. إذا توقعت عزيزي القارئ مجرى كتابك وكيف يختتم كاتبك روايته في بدايتها. فاعلم أنك امام عمل رديء الصنعة غير قيم الحبكة.

في مقارنة عجول بين جارتك اللتاتة التي تصف لك علاقتها بأبنائها وزوجها العطوف وتبهرك بطبخاتها ولا تكتفي بذكرها بل تتكرم عليك أيها المرهق تعيس الحظ بالمقادير الطويلة التي لا تنتهي. وتحيطك علما بمعارفها وأقاربها في سوهاج اسما اسما،حرفة حرفة. وأنت، يا مسكين، منهك من العمل وتجاملها من أجل مجلس أصرت عليه زوجتك لتوطيد العلاقات بسكان عمارتكما، ولأنكما عروسان غريبان في عمارة طويلة عريضة.

قارن ذلك بدفتر منمق، رُصت حروفه لتقضي غرضا. وتترك وصمة في نفسك ببراعة. بشقاوة فراشة تدور أحداث، وتجري السنون في تأن ورفق. تعرفك أشخاصا. تنطق لا تُستنطق. تتعاطف معهم أـو تكرههم، تتركك وشأنك لا تفرضهم عليك. أنت تلح أن تتصفح هذا الدفتر، رغم تطاير أوراقه بفعل رياح حديقتهم المزروعة بالياسمين الجميل. تزور مواقع أثرية أو بلدا لم تطأه قدماك. ربما كانت أحداثه في شارع قضيت فيه عمرا لكن تراه الآن بمنظور آخر. كأن لم يكن بينك وبينه عهد.

أيهما تحب ان ترهق عيناك الجميلتان في مطالعة سطوره إلى الاحمرار؟

الكتاب الجيد هو ما أن تخطيت صفحة أو صفحتين منه ندمت، فقد فاتتك متعتهما، وربما أثر ذلك على استنباطك للاحداث. لكنك إذا تركت خمسة أسطر أو أقل لا ضير في ذلك. من إجادة الفنان لريشته أن يناسق الألوان ببعضها البعض. وكذلك الكاتب عليه ان يمهد لكل حدث. يفسره ويلين له مهده ويداعب به قارئه قليلا قليلا. فإن استقرت أرضه ونضج ثمره انتقل بالحدث مرحلة أعلى وغاص في التفاصيل، وله ما طاب منه. ثم يعود يلملم ويجمع الاحداث والمجريات كأيقونة واحدة. فلن يرتكب كاتب احمق غلطة كهذه:

“فاطمة تلعب الكرة وتأكل بطيخا.. وتغرد أنشودة تلقنتها في الحضانة مع آسر وسمير ويزن. يزن في العشرين من عمره لأنه في 1998 دخل آلة الزمن وعاد صغيرا في حضانة الرضا في مركز حينا بلبنان. من أنا؟ أنا سارة، أرتدي زيًا أرجوانيا، في الثانية عشر من عمري ولا أدري حقا ما الذي أفعله في تلك الحضانة مع فاطمة وآسر وسمير ويزن البالغ عشرين عاما، فأنا لم أغادر مصر يوما، وهذه صورتنا معا! في أي عام نحن؟“.

وإن كنت تخطيت تسعة أسطر مما كتبت قبل حكاية فاطمة الغريبة والتي لا تمت لمقالي بصلة ستفهم ما أعني! وفي هذا المثل، من صنع خيالي طبعا وضعت مثالا لكتاب طيبين قليلي الخبرة. أول خطأ: لم يمهد لفاطمة ولا لأصدقائها.

الثاني: ذكر أسماء وتفاصيل بلا داعٍ. فتعدد الشخصيات بلا طائل ينقص من قيمة العمل ويتوه القارئ. وأؤكد لك أنه في أقصى مراحل الملل، وعقله الباطن يعد الخراف والنجوم لتنتهي الرواية باهظة الثمن التي اشتراها. ويفكر جديا في شي البطاطا بها.

الثالث: الزمن. إطالته او الانتقال به. قد يريد الكاتب أن يعرض لمتابعه عرضا زمنيا في ماضي الشخصية وحاضرها ليشاركه مستقبل أبطاله بنفس احاسيسه وكل دوافعه. لكن دعني اوضح لك أن العرض الزمني للأحداث أمر شائك للغاية. يجعلك تسرع من رتم السرد لتغذي الزمن. بينما الزمن هو ما يغذي السرد وليس العكس. قد تحطم رونق الحكاية بكاملها إن لم تتقن ما تقدمه من علاقات زمنية! فيزن في الرابعة من عمره لكنه في العشرين الآن، لان بشكل ما غير مبرر أراد الكاتب ذلك! والتفسير الأمثل: آلة زمنية!

و قد يؤدي إلى معضلة أدبية وقع في فخها الكثير من الكتاب وهي: تكرار “كان”. وهذا بالضبط ما أثار استاذنا الكبير يحيى حقي. فأشار إليه في مقال وجهه لصغار الكتاب ووصفه: “قلب الزمن رأسا على عقب”. وأنت لا تريد ذلك يا صديقي.

الخطأ الرابع: عدم تفسير تنقل الشخصيات من مكان لآخر. واختلاق المبررات التافهة التي لا تؤدي غرضا جيدا يفيد العمل القصصي بشيء! فهو يجعلك محتارا بين بلدين أو مدينتين حتى دون أي حاجة لذلك! لا تشتت قراءك الله يخليك. دع هذا الهراء لغيرك وانفضه عنك.

الخطأ الخامس: اختفاء الغاية والهدف من القصة أو الرواية. فحكاية بلا هدف كمركب بلا شراع! عربة محملة بخير وطعام وفير لكن بلا جهة! لا فائدة. لماذا البطيخ يا فاطمة؟ لِمَ تأكل الصغيرة البطيخ لا الفراولة مثلا؟ الفراولة أجمل وتفيد البشرة وتحمر الخدود. البطيخ مليء بالبذور! عليك، يا كاتب المستقبل، أن تفسر كل شيء لا تكن ثرثارا أعمى دون مسار محدد ولا سكة.

دعني أجمع جميع ما سلف فلا تتوه مني وتدرك غايتي. إن الحروف ليست رخيصة كما تظن. وإن مكينة الطباعة والحبر مصيرهما إلى الفناء كما تعلم. فلدينا الكثير من الكتاب والمبدعين وأفكارهم مهولة. وأحلامهم تصارعهم لتغدو على ورقة تباع. فيولد من يولد منهم ويوقع الأوتوجراف!

أرجوك أن لا تبيع الكتب المهلهلة، أو تكون من الذين تنسال كلماتهم بلا وعي منهم فتكون كجارتك اللتاتة التي تنفر منها رغم ذكائها وموهبتها وانفراد كلماتها! ضع حدا لكل من اتخذ الكتابة وسيلة للرزق وجمع المال. ولا تنشر التفاهات كقصة صاحب هبة المتداولة على أوسع نطاق:

“هبة يا هبة

أنت الحكاية الطيبة

أنت اللي عمري فداكي كله

و نفسي تبقي قريبة! “

لا تشغل بالك بهبة وصديق هبة، فقط اريد منك انتقاء ما تكتب وما تقرأ. لا تقع في حبائل اصدقاء هبة. ترفّع عن ذلك.

ويسعدني أن اوضح دعمي ومساندتي – كقارئة – لكل الكتاب الصغار. البداية مهزوزة دائما، لا تستكين لصاحبها قبل امتلاك قوامها واستكمال ملكتها بكثرة الخبرة لا بقلتها. البداية شبل صغير تحتاج ترويضه. والكتابة أسد يزمجر إذا فقد وهيجه. لا تبتعد عن القلم وإلا ابتلع رأسك يا صغيري!

ولأني أحب أن أثبت كل شيء بالأدلة. وأعتز بمن يتوجون كتابتهم بالأمثلة الواقعية والحياتية. سأحكي لك عن حدث هام في حياة كاتب صغير يحلم مثلنا. حضرت حفل توقيع لكاتب زميل بالقصر العيني، في بداية حياته الأدبية. نشر أول أعماله الورقية، رواية زينها اسمها: قطعتا تلج في تموز.

أحزنني حقا أنه لا يدري شيئا عن شيطان الكتابة. ذلك الهاجس الشقي الذي يدفعك إلى الجنون فتنسال الكلمات منك كطلاسم تبرر نفسها بنفسها فيما بعد. دون جهد منك ولا ادعاءات. وأشد ما طرب له قلبي: وقفة أمه بجانبه وفخرها به. تلك النظرة لوليدها الشاب الذي يندفع الناس حوله، ليتباهوا بصورة فردية معه!

لسوء حظه وجمال فكره أن روايته عن توأمين. الجمال الفكري يكمن في إبرازه: إن الفراق مؤلم واللقاء أكثر ألما إذا تبعه فراق أبدي! أما سوء حظه هو أن لي توأم. ويدور كتابه حول ازدواجية التوائم والحالة المزاجية المشتركة. وأن رغم المسافات فهما يتألمان في نفس الساعة، ويدق قلب أحدهما إذا أصاب شقيقه مس من الحزن. ويفرحان معا دون علم منهما. جميل حقا! جميل جدا! لكن يؤسفني أن أجزم لك أن “مفيش من ده”.

الخطأ السادس: لا تدرج العامية وسط مقال أدبي فصيح. إلا إذا كان لا غنى عنه ولا تجد عنه بديلا! هل ترى أن استخدامي للعامية هنا جوهري؟ أنت سيد قرارك، عزيزي القارئ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد