التاريخ هو سردٌ لأحداثِ الماضي القريب والبعيد، وعظةٌ وعبرةٌ وأداةٌ لفهمِ الحاضر والتنبأ بالمستقبل، ولكن ماذا إذا أصبح مصدرًا لفكرٍ متطرف منبوذ، ووسيلة لقتل أبرياء مسالمين ثأرًا لمن قُتِلوا ودُفِنوا في صفحات التاريخ؟ عقولٌ مريضة أساءت فهم التاريخ، فاتخذوه معقلًا لتبرير جرائمهم الشنعاء انتقامًا لآخرين عاشوا في حقبة أخري من الزمان. فاقتحموا بأجسادهم المنقادة من قبل عقولهم الفاسقة حياة آخرين، فروا من بلادهم طمعًا في مأوى. فما كان المأوى إلا نارًا، وما كان الملاذُ إلا جهنم، أحرقتهم، وأودت بهم إلى هلاكهم. فهم قومٌ هربوا من إرهاب أوطانهم إلى إرهاب وجحيم متطرفين مجرمين في بلاد أبت أن تؤوي هؤلاء الجرحى والمظاليم.

وفاسق الرواية هنا هو برينتون تارانت. ذلك المجرم الذي لم يحتمل وجود مسلمين مسالمين في بلده نيوزلندا دون أن يقسوا عليهم، ويذبحهم كما قسى عليهم زعماء أوطانهم. درس تارانت التاريخ جيدًا، واسترسل في قرائته وحفظ تواريخه. لم يتركْ صفحةً، ذُكِرَ بها كلمة مسلم، إلا وأمعن فيها بقلبٍ حاقٍد وعينٍ تملأها الكراهية. جمع تارانت كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من أحداث كان المسلمون طرفًا بها، وأخذ في سردهم اسمًا اسمًا وواقعةً بعد واقعةً علي سلاح، انقض به على بيوت، لم تُبنَ إلا لتجمع الناس لعبادةٍ أو صلاة.

استيقظ العالم يوم 15 مارس (أذار)، ليرى تلك الواقعة صوتًا وصورة بفيديو أذاعه المجرم، وهو يسير هادئ البال، يطلق النيران هنا وهناك، فيُسقط قتيلًا تلو الآخر، وهو يستمتع كأنه داخل لعبة من ألعاب القتال. لم يهتز قلبه للقتلي من المصليين، ولم تخشع مشاعره لمن أمامه من أطفال وعواجيز. سارغير آبه، وهو يستمع إلى موسيقى، يطلق عليها الغرب Remove kebab . وتلك هي أولى حلقات التاريخ التي درسها برينتون.

بعد تحرير يوغسلافيا من الاحتلال الألماني عام 1945، أُعُلِنَ في نفس العام قيام جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية، وكانت تضم كلًا من صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، البوسنة والهرسك، الجبل الأسود وجمهورية مقدونيا. ولكن هيهات ومن المحال أن يدوم الحال. فبعد موت تيتو رئيس الاتحاد عام 1980، أخذت الأوضاع الاقتصادية للدولة في الانهيار. ومع قيام الحركات الانفصالية في دول الجمهورية، وفي ظل الحركات الاستقلالية التي كانت تجوب العالم في ذلك الوقت، بدأ عصر نهاية الإمبراطورية اليوغسلافية. وفي عام 1991، أعلنت كل من كرواتيا، وسلوفينيا، وجمهورية مقدونيا استقلالهم. فاعترفت بهم الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي كدول قائمة بذاتها ذات سيادة كاملة علي أراضيها. مما أحرج حكومة البوسنة والهرسك برئاسة علي عزت بيغوفيتش – ممثل حزب الوشناق الذي كان يمثل أغلبية البرلمان – فأعلنت الحكومة بدأ الاستفتاء علي الانفصال. وهنا تم الخلاف، فصرب البوسنة لا يريدون الانشقاق عن يوغسلافيا وصربيا من جهة، والبوشناق والكروات لا يأبون إلا الانفصال.

وفي عام 1991 تم الاستفتاء، وامتنع الصرب عن التصويت، لكن صوّت الأغلبية العظمي من الكروات والبوشناق على الانفصال. وبالفعل أعلنت الحكومة الاستقلال عن يوغسلافيا عام 1992، وهنا اشتعل فتيل الحرب الأهلية: صرب البوسنة بدعم من القوات الصربية من ناحية، والكروات والجيش الرسمي للبوسنة بقيادة البوشناق من جهة أخرى.

أعلن الصرب الانفصال، وقيام دولة مستقلة تحت حكم الحزب الصربي بقيادة رادوفان كاراديتش. وأعلنوا الحرب على البوشناق والكروات للسيطرة على البوسنة، وضمها تحت لواء صربيا ويوغسلفيا مرة أخرى. فبدأت القوات الصربية بإبادة كل ما هو غير صربي، ومنذ اندلاع الحرب وحتى عام 1995، قُتِل الآلاف من المسلمين والكروات، وتم تهجير الملايين. وبالفعل نجحوا في السيطرة على معظم الأراضي البوسنية، لكن ما حدث في سربرنيتسا لم يكن كغيره، فقد وُصِفَ على أنه أسوأ حدث وقع في أوروبا في القرن العشرين بعد الهولوكوست.

كانت سربرنيتسا مدينة منزوعة السلاح بقرار من الأمم المتحدة، وينتشر بها قوات هولندية لحفظ السلام. وفي صباح يوم 11 يوليو  (تموز) عام 1995، بدأت القوات الصربية في السيطرة علي المدينة تحت مرأى ومسمع من الهولنديين دون أن يحرك أحد منهم ساكنًا. وأعلن الصرب عبر الراديو أن البوشناق آمنون، وعليهم أن يسلموا أنفسهم. فما إن سلم البوشناق أنفسهم حتى انطلقت المذابح، فقتلوا الرجال، واغتصبوا النساء، وشردوا الأطفال. وفي ثنايا تلك المذابح والحروب التي نتجت عنها أكثر من 100 ألف قتيل، كانت Remove kebab هي النشيد الرسمي للصرب الذي تم تأليفه لتحفيز رادوفان كاراديتش أن يستمر في إبادته للكروات والبوشناق.

لم تكتف الصفحات السابقة في إشباع الرغبة الانتقامية لبرانتن، بل عاد بالتاريخ إلى ما وراء القرن العشرين، لكي يستزيد من رغباته العدائية، ويملأ قلبه بالحقد، ويستمد من الكراهية ما يكفيه لتنفيذ ثأره المزعوم، حتى وصل إلى جورج كاستريوت.

جورج هو أحد الأبناء الأربعة لجيون كاستريوت، أميرميرديتا الواقعة في شمالي ألبانيا. وفي أثناء الحملة العثمانية علي ألبانيا، استسلم جيون للأتراك، وقبل بالحكم الإسلامي، وأْخِذَ جورج كرهينة لدي الحاكم العثماني في تركيا. وأثناء ترعرعه داخل القصر العثماني، اعتنق جورج الإسلام، وتغير اسمه ليكون اسكندر، وارتفع به المقام داخل الجيش حتى وصل به الحال أن يكون قائدًا لبعض القطاعات.

وبعد وفاة والده جيون، رفض الحاكم العثماني أن يسلم ميرديتا إلى أحد أبنائه، وضمَّها إلى حكمه الذاتي. كان لذلك الظلم وقع مرير في نفس اسكندر، وأثار من الحفيظة في قلبه ما يكفي أن يترك مكانه داخل الجيش ليعود إلى ألبانيا، ويعتنق المسيحية مرة أخرى، ويستعيد اسمه السابق جورج كاستريوت. استطاع جورج في وقت وجيز أن يوّحد الأسر الألبانية مرة أخرى، وأن يقود حملة التمرد التي بدأها عام 1444 بدعم كامل من الملوك الأوروبية كافة، وبدعم خاص من البابا كاليستوس الثالث ومن بعده البابا بيوس الثاني. منذ ذلك التاريخ لم يستطع المسلمون الانتصار في أي من الحروب التي دارت بينهم وبين جمهورية البندقية. ولم تتمكن القوات التركية من السيطرة على ألبانيا مرة أخرى حتى وفاة إسكندر عام 1466.

لم تكن تلك الحلقة من الصراعات العثمانية الأوروبية بالكافية لشفاء غليل تارانت. فبعد انتهائه من سرد واقعة تمرد جورج كاستريوت، ذكر موقعة موهاكس التي كانت الخطوة التي هيأت للعثمانيين فيما بعد الطريق للزحف نحو النمسا وألمانيا حتى وقع حصار فيينا عام 1638، وموقعة (ألمان داغي) الشهيرة التي مثلت القشة التي قسمت ظهر البعير. حيث تراجعت بعدها الدولة العثمانية شيئًا فشيئًا، وبدأ عصر الاضمحلال حتى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، والتي كانت بنهايتها نهاية عصر الخلافة إلى الأبد.

بعد وفاة السلطان سليم خان الأول، تولي ابنه سليمان أمور الخلافة، ولم يكن آنذاك قد أكمل عامه الثلاثين. فاستخف به أمراء وسلاطين الدولة العثمانية، لكن لم يمض من الزمن إلا الوجيز حتى رد سليمان كافة الثورات، وأقام بكلمته الصارمة وشخصيته المتفردة قواعد الاستقرار، ولم تكّنَّ عزائمه حتي بلغت الدولة الإسلامية في عهده أقصى اتساع لها. وبعدما هدأت النفوس الطامعة، وذُلَت العقول المتصابية، أرسل سليمان إلى فيلاد يسلاف الثاني – ملك المجر وزعيم أوروبا – يطالبه بالجزية. فما كان منه إلا أن ذبح الرسول، وأعلن نقضه كل العهود التي أبرمها سابقًا مع الدولة العثمانية. فما أن وصلت أنباء ذبح الرسول إلى مسامع سليمان حتى انتفض، وصرخ قائلًا: أيقتل سفيرنا على مرأى ومسمع منا! غدًا سنذيق أوروبا عاقبة أمرها. وأمر بتجهيز 100 ألف مقاتل، و350 مدفعًا، و800 سفينة، استعدادًا لغزو أوروبا بأكملها.

تحرك سليمان على رأس جيشه نحو المجر التي كانت تمتلك آنذاك واحدًا من أقوى الجيوش الأوروبية. وخلال مسيرته من تركيا شرقًا إلي المجر غربًا استطاع أن يزيد من رقعة خلافته بغزو المزيد من الحصون والقلاع، حتى اصطدم بالجيش المجري بقيادة فيلاد في وادي موهاج أو موهاكس. وما مضى إلا ساعتان من الزمان، حتى أدرك فيلاد أن الهزيمة لا محالة، فقرر الاستسلام. لكن أبى سليمان، وكان قراره الذي لم تنسه أوروبا وتذكره حتي الآن: لا أسرى! فأُرغِمَ الأوروبيون علي القتال حتى انتهت المعركة بمقتل فيلاد.

كانت تلك المعركة من أغرب الحوادث التي عرفها التاريخ، فكتب عنها المؤرخ التركي يلماز أوزتونا، وقال: إنّ هذه المعركة لهي أكبرُ حروب الإبادة النموذجيَّة والكلاسيكية في التاريخ، استمرت الحرب ساعة ونصف ساعة فقط، وفي نهاية هذه المدَّة أصبح الجيشُ المجرِي الذي عاش 637 سنة في ذِمَّة التاريخ. وفي 10 سبتمبر (أيلول) 1526، دخلت القوات العثمانية العاصمة المجرية بودابست. وبذلك الفتح أحكم سليمان قبضته علي شرق أوروبا ووسطها، ومهّد الطريق للسيطرة علي أوروبا بأكملها التي انهارت قواها جميعًا عدا تلك التي ظلت صامدة داخل أسوار فيينا والنمسا.

بعدما حقق السلطان سليمان القانوني الانتصار في معركة موهاكس، بدأ الإعداد للزحف نحو فيينا عاصمة وقلب أوروبا النابض. ففيينا مثلها مثل القسطنطينية، كانت حلمًا دومًا ما جال بخواطر الخلفاء السابقين. فبالإضافة لموقعها في وسط أوروبا الذي جعل منها مركزًا للتجارة العالمية، فإن كسر شوكتها واقتحام قلعتها لهو انتصارًا ساحقا للعثمانيين. وسيخضع الملوك بعدها الواحد تلو الآخر، دون أن ينخرط الجيش في صراعٍ طويلٍ مرير. لم يكن غزو النمسا ممكنًا سابقًا في وجود المجر كقوة وحاجز بين تركيا وفيينا، لكن بانتصار موهاكس انهار الحاجز المجري الذي كان يقف في وجه العثمانيين.

تحرك القانوني بجيشٍ بلغ عدده 120 ألف مقاتل مدعمين بـ300 مدفع لغزو النمسا. وبدأ الحصار، لكن لم يمر إلا شهرًا حتى هرع القانوني بجيشه إلى بغداد التي سيطرعليها الصفويين. فقتلوا سكانها، وهدموا مساجدها، فكرّ المسلمون لنجدتها وتخليصها.

مثّل هذا الحصار بداية صراع طويل دام لـ150 عامًا بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الرومانية المقدسة. دار خلالها العديد من الحروب والمعارك حتى موقعة فيينا سنة 1683، والتي بنهايتها كانت بداية الحرب التركية العظمى التي استمرت لـ15 عامًا. لم يستطع تارانت أن يغلق صفحة الدولة العثمانية دون أن يذكر هذا الحصار الذي استمر لعدة أيام فقط، لكن أثره ظل خالدًا في ذاكرة التاريخ على أنه أحد أهم هزائم المسلمين علي مر العصور، لكن كيف حدث هذا؟ وإلى أي مدى كانت الخيانة سببًا في تلك الفاجعة؟ هذا ما سوف يتم تفصيله في الجزء القادم من هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات