حتى تلك اللحظات، كان كل شيء يبدو هادئًا في القصر الجمهوري نسبيًا.. ففي حقيقة الأمر، أن الأمور لم تهدأ قط في الأرجنتين منذ بداية الثلاثينات من القرن العشرين، فمنذ هذا التاريخ وحتى النصف الأول من السبعينات، كان قد توالى على الأرجنتين أكثر من عشرة انقلابات عسكرية، كان آخرها الإطاحة بحكم الرئيس العسكري “خوان بيرون”، في انقلاب عسكري قام به الجيش والأسطول في سبتمبر 1955، و نفي إلى إسبانيا، وحظرت حركته السياسية الملقبة بـ”البيرونية”، واستولوا على جثمان زوجته المحنط “إيفا بيرون” الملقبة بشفيعة الفقراء كونها رمزًا من رموز الحقبة “البيرونية”، وبرغم أن “خوان بيرون” نفسه كان ديكتاتورًا سلطويًا، أذاق شعبه الويل وشدد الرقابة والقمع، وقام بإيقاف الصحف والمطبوعات، وسجن وعذب العديد من الشخصيات المعارضة، إلا أن ذلك لم يمنع شعبه من الافتنان به إلى حد الجنون.

في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، ساء أداء الاقتصاد الأرجنتيني نتيجة للإدارة السيئة في الحكومة وانتشار الفساد في الجيش، وأدى الضعف في الاقتصاد إلى إضرابات وأعمال عنف واحتجاجات ضد الحكومة، وأخيرًا سمح القادة العسكريون لمؤيدي بيرون بالعودة للسلطة على أمل أن يعيدوا النظام للبلاد، وفي عام 1973 تم انتخاب “هيكتور خوزيه كامبورا” أحد أتباع بيرون رئيسًا للبلاد، وبعد ثمانية عشر عامًا من الانقلاب ضد “بيرون” وتحديدًا في أكتوبر 1973، عاد “بيرون” إلى الأرجنتين، واستقال “كامبورا” ليعاد انتخاب بيرون رئيسًا بأغلبية كبيرة، وانتخبت زوجته الثالثة وراقصة الملاهي الليلية السابقة “إيزابيل بيرون” نائبًا له ، ولكن في العام 1974 اعتلت صحة الزعيم، فكانت فرصة زوجته الذهبية لإبداء مؤهلاتها كزعيمة، وأصبحت المسيطرة الفعلية على الحكومة، وفي خطوة أخيرة قبل الموت، أعلن بيرون أن إيزابيل ستكون خليفته في الحكم، وعندما توفى متأثرًا بمرضه بعد 9 أشهر فقط من إعادة توليه المنصب، ظهرت الجميلة إيزابيل على شاشة التلفزيون، والدموع تنهمر من عينيها، لتعلن للشعب منتحبة خبر موت الزعيم “الذي أفنى حياته من أجل وحدة الوطن ووحدة القارة الأميركية اللاتينية، سائلة الله أن يريها الطريق إلى الأمام”.

 

 

 
وصارت إيزابيل رئيسة للبلاد دون أدنى معارضة، وحتى ذلك الحين كان يبدو أن الأمور في طريقها للاستقرار مرة أخرى، إلا أن القدر كان أسبق.

فمنذ اللحظة التي تسلمت فيها إيزابيل السلطة، بدأ الأرجنتينيون يتوقعون انقلابًا عسكريًا يبعدها عن المنصب، وكانت النقابات والأحزاب والصحف وبرامج التلفزة جميعها تشير إلى حتمية وقوع انقلاب مرتقب، بل إن إحدى الصحف وصفت بالتمام ما سوف يحدث قبل أيام من حدوثه، لكن على ما يبدو أن إيزابيل كانت الوحيدة في الأرجنتين التي لا تصدق أن الجيش في طريقه للانقلاب عليها.

في صباح يوم 24 مارس 1976 وبعد أقل من عامين في الحكم، قام العسكر بقيادة الجنرال “خورخي رافائيل فيديلا” بانقلابهم المنتظر على إيزابيل بيرون، بسهولة اختراق سكين حاد لقالب من الزبد، فقد كانت إيزابيل على متن طائرة مروحية تنقلها من مقر الحكومة إلى منزلها في إحدى ضواحي بوينس آيرس، و بدلاً من أن يطير طاقم الطائرة بإيزابيل إلى منزلها، حط بها في مطار مدني ونزلت من الطائرة لتجد فرقة من الجنود شاهري السلاح تحيط بها، وجنرالاً مهذبًا يخبرها أنها باتت رهن الاعتقال، وعلى الفور سحبت إيزابيل مسدسًا من حقيبتها في محاولة فاشلة للمقاومة لكنها فهمت بسرعة أن المقاومة مستحيلة، وتمكن الجنرال من انتزاع السلاح من بين يديها ولم يلق الانقلاب معارضة من أحد وكان أقل الانقلابات دموية في تاريخ أمريكا اللاتينية.

وصف “فيديلا” انقلابه بـ “ثورة إعادة التنظيم الوطني” بحجة تخليص البلاد من الدرب المظلم الذي كانت ستتجه إليه في ظل حكم إيزابيل، ووصفت الأدبيات التاريخية الأرجنتينية الانقلاب بـ “الثورة الأرجنتينية”، في الوقت نفسه الذي كان يقوم فيه “فيديلا” بإغلاق مجلس الشيوخ وعزل أعضاء المحكمة العليا، وحظر الأحزاب السياسية والاتحادات السياسية والطلابية، ونفي أكثر من ثلاثمائة من أساتذة الجامعة خارج البلاد، وانتهكت الشرطة حرم جامعة “بوينس آيرس” فيما عُرف بـ “ليلة الهراوات الطويلة”، واقتحمت كلية العلوم، حيث تعدت على الطلبة والأساتذة واعتقلت بعضهم.

 

 

 
وبدا واضحًا أن هدف انقلاب فيديلا الحقيقي هو كبح تقدم الحركات الاجتماعية وتحطيم أي نوع من المعارضة، وفي المقابل سعى العسكر إلى تركيز سريع للثروة في أيدى جنرالاتهم، وبالفعل في ظرف وجيز قاموا بتصفية ثلث جهاز الإنتاج ولا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة الوطنية، مع انفتاح متسارع على الواردات، والاقتراض من الخارج بشكل عشوائي ومتدافع، ولا حاجة إلى الإشارة إلى أن قسمًا كبيرًا من المبالغ المقترضة من الخارج لم تكن تصل إلى خزانة الدولة، بل تغذي استثمارات العسكريين بالخارج ومجموعاتهم الاقتصادية بواسطة آلية فساد سماها الشعب “الدراجة المالية”.

تميزت ديكتاتورية “فيديلا” بنوع آخر من الوحشية، فقام جنوده بخطف حوالي 500 طفل من مواليد معارضيه السياسيين، ومنحوا بالتبني إلى مسئولين أو مقربين من النظام لتربيتهم كجنود له، وكانت المرأة الأرجنتينية أكثر من دفع الثمن بعمليات الخطف والاغتصاب الواسعة والحمل القسري لتربية جنود للعسكر موالين له بعد الولادة، وجعل خورخي عمليات خطف المعارضين منهجًا في صلب سياسة الدولة في ظل نظامه العسكري، فقد لجأ الجيش إلى تصفية عناصر المعارضة المشتبه بهم، وقتل وشرد واعتقل ما يقرب من 30 ألف شخص وامرأة وطفل، كان 67% منهم من الشباب بين سن الـ 18 والـ 30 عامًا خلال خمس سنوات من الحكم فقط، وكان قواته تلقي بهم بعد إخضاعهم لعمليات تعذيب من الطائرات والمروحيات في نهر “لابلاتا” حتى لا يعثر على جثثهم على الإطلاق.

ولقبت عمليات خطف المعارضين بـ”الحرب القذرة” ، وأطلق على هؤلاء اسم “المختفين” أو “المفقودين”، ومنذ ذلك الوقت دأبت أمهاتهم على انتظارهم في ميدان “بلازا دي مايو” بوسط “بيونس أيرس” ، ونظموا حملات للعثور على أبنائهن وأحفادهن المختفيين أو حتى أشلائهم والمطالبة بالعدالة المفقودة، بالإضافة إلى نصف مليون أرجنتيني تم نفيهم إجباريًّا أو اضطروا إلى الهروب من البلد اختياريًّا، وفرض رقابة صارمة على الفنون والآداب التي كان يلجأ إليها الشباب كوسيلة للتعبير عن الغضب أو المعارضة، ومنعت الحكومة كثيرًا من الكتب والصحف، ووضعت كثيرًا من المثقفين في قوائم سوداء، ومنع كثير من الفنانين من إنتاج أعمال أو تقديم عروض بحجة أنها “غير مناسبة للظروف الحالية للدولة في ظل المؤامرات التي يشنها عليها أعداؤها من الخارج” ، وتمثلت أكثر أوجه الديكتاتورية مأساوية في وحشية القمع المعمم الذي لقب بـ”عقيدة الأمن القومي”، وبمقتضاها اعتبر العسكر كل من لم يؤيد صراحة الانقلاب عدوًا، مع صمت متواطئ من جانب الطبقة السياسية ومباركة الكنيسة الكاثوليكية للنظام العسكري، وتأييد ودعم السواد الأعظم من القطاعات الاجتماعية، عشاق الحاكم “الفحل(الدكر)” مثلما كانوا يلقبونه، حتى إن الجماهير كانت تهتف له “عاش (الدكر) Viva el macho”.

ونتيجة لذلك نشأ تنظيم ثوري مسلح في الأرجنتين لمقاومة طغيان خورخي سمي “المونتونيروس”، وفي يوم يوم 13 ديسمبر 1976 وقعت مذبحة “مارجريتا بيلين” حيث قامت قوات خورخي بتعذيب وإعدام 22 فردًا من الرجال والنساء من أنصار حركة “مونتونيروس”، بعد استسلامهم وطرح أسلحتهم بالقرب، وتعرضت النسوة منهم للاغتصاب وتم إخصاء ثلاثة رجال، ثم أخذ الجيش السجناء في مركبتين ترافقهما سيارة شرطة، وقادوا بهم على طول “الطريق الوطني”، وفي مكان ما من بلدة “مارجريتا بيلين” بمحافظة “شاكو”، تم إطلاق النار على السجناء وتحميل جثثهم في عدة مركبات، وبنهاية عام 1976 كانت خسائر “المونتونيروس” تقترب من الألفين شخص، وبحلول عام 1977 كان قد تم دحر الجيش الشعبي الثوري تمامًا، وإضعاف “المونتينيروس” بقسوة، لكنهم قاموا بهجوم مضاد ضخم تمت هزيمتهم فيه وإسدال الستار على تهديدات الحركات الثورية، وسميت سنوات حكم خورخي بسنوات “حكم الرصاص”.

خلال فترة “الحرب القذرة” لم يستطع النظام القضائي حماية عشرات الآلاف من المواطنين والنشطاء من ضحايا القتل والتعذيب والاحتجاز غير القانوني والاختفاء القسري، أو مساءلة قادة الأجهزة الأمنية عن تلك الجرائم، فقد كان القضاء الأرجنتيني خاضعًا للسلطة السياسية، خاصةً بعدما عزل الجيش كثيرًا من القضاة الشرفاء عقب الانقلاب، وعيَّن مكانهم قضاة موالين لقادة الجيش وللنظام، إضافة إلى كثير من القواعد الفوق دستورية التي وضعتها المؤسسة العسكرية، وأحكمت بها سيطرتها على القضاء والاقتصاد وأعطت لنفسها سلطة تجاوز الدستور.

نهاية الانقلاب جاءت بالتوازي مع الكفاح والمعارضة طوال 5 سنوات، وبسبب الفشل الاقتصادي الذريع الناتج عن الإدارة العسكرية الفاشلة، و تضاعفت الديون 20 مرة تقريبًا، ثم كانت الضربة القاصمة مع هزيمة “حرب الفوكلاند”.
كان خورخي يعلم أنه يواجه معارضة قوية جدًّا داخل بلاده، فبادر مع المجلس العسكري باصطناع قضية “وطنية” وهمية بالحرب ضد بريطانيا على بعض الجزر المختلف عليها، سميت بحرب “جزر الفوكلاند”، وكان ينتظر من الولايات المتحدة مساندته في تلك الحرب، لكنها خلت به وساندت البريطانيين، فمُني العسكر بهزيمة ساحقة تمامًا هزت صورة النظام، وفقدوا مصداقيتهم للأبد، ومع الاحتجاجات الشعبية المتزايدة، أجبر المجلس العسكري على تقديم استقالته وبداية انتخابات ديمقراطية، فاختارت الجماهير أول رئيس مدني هو “راؤول ألفونسين” الذي صعد للسلطة عام 1983، وسرعان ما حاكم العسكريين محاكمات عادلة، ويعتبر “ألفونسين” الأب الروحي للديمقراطية في الأرجنتين.

حوكم خورخي فيديلا مع ثمانية عسكريين آخرين من أركان حكمه محاكمات عادلة، وحكم على فيديلا بالسجن مدى الحياة عام 1985 لاتهامه بارتكاب أعمال تعذيب وقتل وجرائم أخرى، وحكم على خمسة من قيادات الجيش بالسجن 25 عامًا بتهمة التورط في قضايا تعذيب واحتجاز غير قانوني وانتهاكات لحقوق الإنسان، وخلال حديثه عن النشطاء المفقودين وما إذا كان يعتبر نفسه مسئولاً عن قتلهم قال فيديلا ذات مرة: “إنهم مختفون، ليسوا أحياء ولا أموات، إنهم فقط مفقودون”، وفي عام 1990 منحه الرئيس السابق كارلوس منعم عفوًا رئاسيًا، لكن الأمر تبدل في أبريل 2010 عندما أيدت المحكمة العليا حكمًا أصدرته المحكمة الفيدرالية يقضي بإلغاء العفو، وفي عام 2012 وجهت إليه اتهامات جديدة بالإشراف على عملية سرقة ممنهجة لمواليد السجناء السياسيين، وحكمت عليه محكمة في بيونس آيرس بالسجن 50 عامًا، في حين حكم على القائد العسكري السابق “رينالدو بيجنون” بالسجن 15 عامًا على ما نسب إليه من ضلوعه بدور في نفس الجريمة.

لفظ خورخي فيديلا أنفاسه الأخيرة في مايو عام 2013 عن عمر ناهز 87 عامًا، عجوزًا، وحيدًا في الزنزانة التي كان يمضي فيها عقوبة السجن عن الجرائم التي ارتكبها نظامه العسكري الاستبدادي، تصاحبه لعنات مئات الآلاف ممَّن آذى ذويهم، وعشرات الآلاف من الأرواح التي أزهقها في خمس سنوات فقط.

 

 

 
“للتذكرة: الاختفاء القسري طبقـًا لاتفاقية المحكمة الجنائية الدولية جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم #حريتهم_هي_حريتنا”، تويتة للدكتور محمد البرادعى بتاريخ 7 أكتوبر 2015 معلقـًا على ظاهرة الاختفاء القسري للمعارضين في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد