عاصر المفكر الجزائري محمد أركون (1928-2010)  الشيخَ  السوريَّ محمد سعيد رمضان البوطي (1929-2013) ولقيا بعضهما في الجزائر وفي غيرها، وخلص الشيخ البوطي إلى القول بإلحاد محمد أركون، وبأنه قاد حملة على الشريعة الإسلامية، ذلك أن أركون – حسبه – قال: يجب أن نعيد النظر في وجود الله اهـ. متهمًا إياه بالعمل وفق أجندات فرنسية وبعبارته: فإن لديه «كنترات» des contrats مع المسؤولين الفرنسيين لتبخير الإسلام في أذهان المسلمين (ينظر الفديو).

وقد روى الشيخ الحبيب علي الجفري دعوى نقاشِ البوطي مع أركون في حضرة أساتذة أوربيين وهزيمة أركون في النقاش الذي دار حول ثبوت القرآن بوصفه وحيًا وكون أركون مسلمًا (ينظر الفديو).

ليس الغرض من هذا المقال التعريف بمحمد أركون وبأعماله الأكاديمية التي لقيت حظوة في الجامعات الغربية مذ انتسب إلى السوربون، ولكنها محض ملحوظات تبين عن الفرق بين الباحث الأكاديمي المتجرد والمتعالي على انتمائه وذاتيته، وبين علماء مسلمين عهدنا عنهم الوسطية والاعتدال والتأصيل وفق النمط الأصولي القديم (مثاله أن رسالة الدكتوراه التي قيدها الشيخ البوطي بحث فيها: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية)، وعهدنا عنهم أيضًا الحث  على السلوك والتزكية (مثاله أنه شارح للحِكَم العطائية)، ونريد أن نلفت نظر المتفائلين بشأن التعصب الديني إلى أن موقف البوطي من أركون هو الأنموذج الذي نتوقعه من رجل دين إزاء مفكر كسر السياج الدوغمائي [ La clôture dogmatique: مصطلح أركوني نقدي استلهم فيه مثال ابن تيمية الذي رأى أن معنى الوجود البشري موجود في القرآن والسنة حصرا (ينظر: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، ص 13-14، دار الساقي)  ].

أريد بداءةً أن أقف مع نص لأركون يذكر فيه الشيخ البوطي قائلًا: إن المواجهة بين العقائد الكلاسيكية وبين المعطيات الحديثة حول حق الحرب هي متروكة عمليًا في مجال ما سميته «اللامفكر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر» وفي حدود علمي إن الإسهام الأكثر توثيقًا هو إسهام سعيد رمضان البوطي، وهو داعية سوري يحظى بسمعة واسعة، في كتابه: «الجهاد في الإسلام كيف نفهمه؟» وهذا الكتاب يبين إلى أي مدى أمكن الفكر الإسلامي المعاصر الأكثر تشبعًا بمعرفة الإسلام والأكثر اهتمامًا بتناقضات الدين الموضوع أمام اختبارات الزمن، أن يستمر في تغليب مسلمات الإيمان الأرثودكسي على التكذيبات الصارخة التي يقدمها التاريخ، ويتضمنها المغزى الغني بالدروس لأحداث من نوع حرب الستة أيام، وحرب الخليج و11 سبتمبر (أيلول) اهـ. [ من منهاتن إلى بغداد، ما وراء الخير والشر، محمد أركون، جوزيف مايلا، ترجمة: عقيل الشيخ حسين، ص 65، دار الساقي، ط1، 2008 ].

هنا أترك حرية التأويل للقارئ! علمًا أن أركون يفسر الجهاد بالمصطلح المركب: الحرب العادلة، إضافة إلى أن كلامه أتى في سياق نقد الرسالة المفتوحة الموجهة من طرف ستين شخصية أمريكية داعمة للحرب الأمريكية في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وفي كلام أركون اعتراف بعالِمية الشيخ البوطي.

في نص آخر لأركون يخاطب فيه المخالفين يقول: إني أطلب منكم لحظة صبر وتسامح فقط، لا تحكموا على الأمور قبل أن تعرفوا، ولا تُدينوا قبل أن تفهموا، اتركوا لي الوقت الكافي لكي أعرض أمامكم رؤية معينة للأشياء، أو برنامج عمل، أو مسارات، أو تفكيكات أو تركيبات، اتركوا الفرصة لكي تنفتح أمامنا آفاق للمعنى، آفاق لا تؤدي إلى أي قطيعة عنيفة، لماذا أقول ذلك؟ لأن هذه الآفاق سوف تتيح لنا أن نستوعب، عن طريق المنهجية التقدمية – التراجعية، كل التعاليم الواردة في التراثات الدينية السابقة، وهذه التراثات سوف نراجعها أو نزُورها خارج نطاق كل التلاعبات التبجيلية أو الأيديولوجية، كذلك تتيح لنا هذه الآفاق أن نستوعب كل المكتسبات الإيجابية للحداثة المعاد نقدها وفهمها هي أيضًا، بصفتها بحثًا ديناميكيًا كليانيًا ودائمًا إشكاليًا عن المعنى اهـ. [ الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، ص 87-88، دار الساقي، ط1، 1999 ]

يقرن أركون  موقف المسلمين – ومنهم البوطي – بغيرهم من المسيحيين في القرن التاسع عشر، فيقول: «إن المسلمين يتصرفون اليوم كما تصرف المسيحيون الأوربيون بالأمس أثناء الأزمة الحداثية التي حصلت في القرن التاسع عشر، أقصد بذلك ردود فعلهم الهائجة تجاه البحوث الاستشراقية القديمة الخاضعة للمنهحية الوضعية التاريخوية والفيلولوجية المتطرفة التي لم تلق سلاحها بعد، كما ويقومون بردود فعل سَلبية ضد البحوث الاستشراقية الحديثة المتحررة نسبيًا من مُسلَّمات هذا العلم المغرور، بل وحتى غير المتسامح والمتعصب» اهـ. [ الفكر الأصولي، مرجع سابق، ص 25 ]. وأنت تلحظ أن أركون ينقد الشرق بالقدر ذاته الذي ينحى فيه باللائمة على بعض الدراسات الغربية وعلى أكبر المفكرين الغربيين رغم امتنانه لمكتسبات العلم الاستشراقي.

        يحسن بي أن أختم بنصين لتلميذ أركون ومترجم أعماله والمعلق عليها السوري هاشم صالح، أما النص الأول فهو اعتراف طريف منه قال فيه:

فتحت صدفة على الفضائية السورية فوقعت فجأة على درس ديني للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في الجامع الأُموي الكبير في دمشق، واعتقدت في البداية أني لن أصبر عليه أكثر من خمس دقائق، فإذا بي أستمع إليه حتى النهاية وبإعجاب، وفي بعض اللحظات خُيل إلي وكأني أستمع إلى والدي وهو يلقي علينا مواعظه الدينية… ويحصل لي أن أشاهد برامج دينية أخرى من أجل التسلية أحيانًا ومن أجل المقارنة بين الرؤية التبجيلية للدين والرؤية التاريخية الفلسفية التي دربنا عليها أركون اهـ.

الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ، هاشم صالح، ص 93، دار الساقي، ط1، 2013 ]، وأما النص الثاني فدحضٌ لتهمة الإلحاد التي  رُمي بها محمد أركون، وجلي أن الذي يتهم أركون بمثل هذا لم يقرأ أعماله، يقول هاشم صالح: بما أن محمد أركون ليس ملحدًا، ولا يرى في الإلحاد حلًا، فإنه يحاول توسيع حدود الإيمان، لكي يفقد صفته الأيديولوجية والعدوانية التي تميز بها طيلة العصور الوسطى، ولكي يصبح إيمانا ذكيًا متعقلًا حديثًا، وهو لا يستطيع أن يتوصل إلى هدفه إلا بعد تفكيك أركان الإيمان التقليدي المسيطر علينا حتى اليوم اهـ. [ من فيصل التفرقة إلى فصل  المقال، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، محمد أركون، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، ص 73، دار الساقي، ط2، 1995 ]. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد