بحلول أول ضوء من صباح اليوم 9 فبراير (شباط) 2018 أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية في بيان رسمي أذاعه في القاهرة المتحدث الرسمي باسمها عن انطلاق العملية #سيناء_2018 بغرض تطهير شبه جزيرة سيناء من البؤر الإرهابية وفق نص البيان، ولكن ليس هذا كل شيء؛ فالعملية أيضا ووفقًا للمتحدث العسكري ستشمل وبشكل متزامن ومنسق جميع الاتجاهات الاستراتيجية، وسمى بعضها، وهي مناطق في دلتا مصر، وفي منطقة غرب وادي النيل، وهذا ينقل الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر كلها إلى مستوى مغاير في ظل العملية العسكرية على جميع محاور الجمهورية، وبما أسعى لتفصيله في نقاط هي:

مسألة ما يدعى الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، قضية مركبة تتداخل فيها عوامل اجتماعية تخص نوعية التركيبة السكانية بها، وأنماط النشاط الاقتصادى فيها، وعمليات اختراق واستهداف لها تمت على مدار أعوام خلت وتصاعدت ما بعد العام 2011 تتماهى مع مسائل السياسة الداخلية لمنظومة الحكم المصري في مراحلها من السادات إلى السيسي، وجوار ساخن وخشن مع إسرائيل وغزة وإطلالة ذات أبعاد على مضايق حاكمة وجزر مهمة وشواطئ ممتدة شرق البحر الأحمر لدول كالعربية السعودية والأردن وغربه المصري، وصولًا إلى مثلث حلايب في أقصى الجنوب، والذى سآتي على ذكره لاحقًا.

أضع هنا نقطة للنظام، سأحاول الالتزام بها حتى النهاية كي لا يتفرع الحديث ويغيب الهدف النهائي من النقاش، وهي سؤال ما الهدف؟ لكل خطة تحرك أو ترتيب هدف نهائي؛ إذ إنه لا مجال فى السياسة للتحرك في الفراغ، وبالتالي: ما هو الهدف النهائي من عملية تسخين الأوضاع في سيناء عبر استهداف سكانها بالإرهاب والعمليات الأمنية والتهميش والخنق، ثم خلق حالة من الفراغ تحتفظ فيها السلطات بوجود قريب دون أثر فعال – تفاديًا لقول إنه عاجز – تمارس خلاله القوى المناوئة استهدافًا شائعًا ودون سقف معلن وبلا غرض سياسي، ولا غيره للسكان المدنيين، ثم عمليات تفريغ سكاني بدعوى مواجهة العمليات المسلحة، وصولًا إلى هجوم شامل متزامن واسع النطاق فى سياق متشابك داخليًا على وقع حالة من الصراع السياسى – حتى الآن – على السلطة، وعلى بعد أقل من شهرين تشكك جهات عدة في احتمالية حصولها، ومنه ما يحكي عن تسوية يقال إنها نهائية للصراع العربى الإسرائيلي، والذي أمسى القضية الفلسطينية وفي صلبه سيناء.

بيان القيادة العامة للقوات المسلحة في مصر يتحدث عن جوار ملاصق لسيناء في منطقة القناة، وهنا يطل من جديد نقاش قد ثار حول قوات أساسية على محور السويس أمرت بإعادة الانتشار في اتجاه قاعدة محمد نجيب العسكرية إلى الشمال الغربي من مصر، وهي عملية لم يتح كثير من المعلومات حولها من المصادر الرسمية للجيش المصري، وكذلك في منطقة الدلتا، والتي كانت قد شهدت عمليات مسلحة ومداهمات أمنية على مدار الأعوام السابقة، وبما تمثله هاتان المنطقتان من مدخل لمنطقة الصحراء الشرقية، وهى مساحة على قدر عال من الأهمية؛ إذ إنها تحوي أغلب احتياطات مصر من الذهب والفوسفات والحجر والجيرى والنحاس وغيرها من المعادن الاستراتيجية والتي بمجموعها تشكل أهم الموارد الطبييعية المتاحة للبلاد وهي في أغلبها غير مستغلة باستثناء ما طالته عملية تنقيب شابها الكثير من التعليقات عن الفوسفات في أبو طرطور وعن الذهب بشكل يبدو شرعي في السكري وبأشكال أخرى في قنا والنوبة وغير موضع، وعن الحجر الجيري في المنيا في منطقة الشيخ فضل، وبها أكبر منطقة محاجر بالجمهورية، كما أن جغرافية المنطقة وإطلالتها الممتدة على البحر الأحمر واتصالها النهائي بمثلث حلايب يرفع جدًا من أهميتها الاستراتيجية مع حكايات كثير عن مخططات تستهدف تقسيم البلاد بغرض السيطرة عليها وإغراقها بالفوضى.

الإشارة الواردة في البيان المعنون رقم 1، والتي تتحدث عن محور غرب وادي النيل، وليس الحدود الغربية أو حتى الصحراء الغربية تفتح الباب واسعًا لتساؤلات حول حجم التهديدات على هذا القطاع وانتشارها إلى الداخل، سواء كان مصدرها أنشطة عابرة للحدود قادمة من ليبيا، والتي ربما تشهد تجمعات من بعض العائدين من سوريا والعراق وأخرى محلية، وهى برأيى الأخطر والأكثر حساسية.

قبل 72 من إطلاق العملية #سيناء_2018 كانت جريدة The New York Times قد أثارت زوبعة عندما نشرت مقالًا تحدث فيه عن ما أسمته تحالفًا مصريًا إسرائيليًا سمح لإسرائيل بتنفيذ ضربات جوية في سيناء – وربما غيرها – ولمدة عامين ضد ما يعتقد أنها بؤر لعناصر متطرفة، وأوردت به تفاصيل مزعجة، وهو ما استدعى إلى ذاكرتي مباشرة مقال آخر كنت قد ترجمته بنفسي قبل ثلاثة أعوام وتحديدًا في 3 يوليو 2015 من موقع Veterans Today أورد تفاصيل لمخطط عسكري مصري إسرائيلي بخصوص عمل مشترك ومنسق يقوم به الجيشان حال حصول هجوم أو عدة هجمات في سيناء ترتب عليها خسائر ضخمة في القوات المصرية وربما خروج سيناء من سيطرة الدولة، والذي ستطلب مصر على أثره تدخلًا عسكريًا من إسرائيل في غزة بالاشتراك مع حكومة حماس، والتي يصل وفد منها إلى القاهرة خلال مثول هذا المقال للكتابة برئاسة إسماعيل هنية، وبناء على طلب القاهرة، ولكن الجزء الأهم، والذي ناقشه الجانبان في حينه هو مخاوف جدية من خسائر كبيرة بالمدنيين تدفع باتجاه هروب جماعي، وكسر للحدود تدفع بملايين الفلسطينيين إلى سيناء إلى جانب كثيرين سبقوهم منذ الحرب الأخيرة على غزة، يذكر أن الموقع في حينه استند إلى معلومات أوردتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية نقلًا عن من وصفته مصدرًا مصريًا مقربًا من دوائر صنع القرار.

تبدو الأسئلة متداعية والاحتمالات مربكة والسياقات مؤلمة وحرجة؛ فإزاء عمل عسكرى واسع النطاق ساحته سيناء وغيرها وصفقة للقرن بسيناء وغيرها، وتشابك لخيوط العلاقات مع دولة كانت عدوة ولا تزال النظرة إليها باعتبارها تهديدًا، وتعاون تتجاوز فيه قواتها وقدراتها حدود الوطن بالجغرافيا وحدود القرار بالسياسة وحدود الفكر بالتخطيط، تبدو العمد الثلاث للكيان المصرى من شعب وأرض ونظام سياسي مهددة، وهذا قبيح ومحزن وخطير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد