غالبًا ما تبدأ الشعوب طريقها للتغيير بالحراك السلمي، قد تبدأ في صفحات الإنترنت – في الزمن الحاضر – والصُحف المعارضة، ثم تنتقل إلى الميادين. هذا الحراك له احتمالية نجاح وفشل في تحقيق أهدافه والتي غالبًا ما تكون مرتبطة بسياسات السلطة أو وجودها أصلًا، لكن هناك مسلك ثالث ربما يتخذه نتيجة للظروف التي سيواجهها، وهو مسلك “الكفاح المسلّح”.

هُنا سنتطرق لبعض النقاط التي قد تُساعد على هذا التحوّل:

1- إراقة الدماء واستخدام السلاح ضد المواطنين العُزّل

تنص المادة الخامسة من “مدونة الأمم المتحدة لقواعد السلوك” على أنه : “لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخرى من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” كما جاء استخدام العُنف في نفس المدوّنة للضرورة القُصوى وفي نطاق محدود جدًا.

أظن أن هذه النصوص، لا تراعي فقط المبادئ الإنسانيّة، بل تراعي أيضًا ردات الفعل الناتجة عن استخدام العُنف والتي قد تؤدي إلى كوارث تُدمر البنيّة الاجتماعية والسياسيّة للدولة.

إن هذا التكنيك الذي قد يؤدي إلى حرب أهلية أو مقاومة مسلحة، يبدأ مع أناس لديهم حياة ممتلئة، ويطمحون ويرغبون بالمزيد، وتنتهي حينما يُخسرهم القمع كل ما يملكون، عملهم، أمنهم واستقرارهم، وربما بيوتهم وأسرهم، حينها لا يصبح لديهم ما يخسرونه، فيكرسون حياتهم في هذه المواجهة، وتُصبح قضيتهم العُليا.

من هنا تولدت الأدبيّات الدينية والعسكرية مثل “النصر أو الشهادة” أو “هي موتةٌ واحدة فلتكن في سبيل الله”.

2- الاختلاف الأيدولوجي أو العقائدي بين الفئة المُتصدرة للحراك و النظام الحاكم

عندما ينتمي النظام الحاكم لحزب أو ديانة أو إثنية معينة بشكل صريح ومُعلن، ويخلق امتيازات اجتماعيّة لكل من ينتمون لنفس فصيله، حينها يتم تعميم صور قُبح هذا النظام على كل من ينتمي له، خصوصًا إذا كانوا يدعمونه، كما الحال في سوريا والتي أصبح الحراك فيها يُعادي كُل ما هو “علوي” أو “بعثيّ”.
هذا الاختلاف يُشجع على تطوّر المنهجيّة السائدة من سلمية إلى مُسلحة، وقد تُعطى مبررات دينيّة – إذا كان مكمن الاختلاف ديني – كالجهاد في سبيل الله ومحاربة الكُفر. لكنه بعد ذلك لا يكون مواجهة سُلطة فقط، بل مواجهة فئة من الشعب أيضًا، ومكوّن من مكوّنات المجتمع، يحمل تاريخ وهويّة الأرض، لذا، قد يأخذ هذا الشكل مسار الحرب الأهليّة، وقد يؤدي إلى إسقاط أكثر من مجرد سُلطة، أي إسقاط دولة!

3- الفئات التي لديها مظلوميّة تاريخيّة

الثورة في الحقيقة لا تُستحدث من العدم، بالإضافة إلى أنها تتحوّل من شكل لآخر عبر التاريخ. ولأن الشعوب لا تنسى، تُجدد فتح سجلّات مظلوميّاتها التاريخيّة دائمًا، وقد يكون لها عدوًا ثابتًا تستحدث حراكها ضده، حتى تنتصر، لكنها نادرًا ما تموت.

المظلوميّة التاريخيّة لها عدة أشكال، قد تكون تجاه عدو أجنبي تمكّن كليًا – كما في “الأندلس” – وبالرغم من تمكّنه ما زال المسلمون الذين تم قتلهم وتهجيرهم ومحاربة كل ما يتعلق بثقافتهم هُناك، يحييون ذكرى سقوطها بكل أسى. لكن في هذه الحالة، تصعب المواجهة المباشرة والمتجددة مع هذا العدوّ المتمكن كليًا.

المواجهة الفعليّة والمتجددة تكون مع العدو المُتشارِك في الأرض، كالمواجهة بين الفلسطينيين والإسرائليين، بالإضافة إلى أن قمع الإخوان المسلمين في مصر وسوريا والقتل والتعذيب في السجون من قِبل حكوماتهم منذ عقود، ساعد على إعادة خلق المواجهة ورفع وتيرتها الآن.
لا تُشجع المظلوميّات التاريخيّة الشعوب على أن “تثور” فقط، بل أيضًا تشجعها على أن “تثأر”، خصوصًا إذا كانت تحمل في طيّاتها دمًا ومأساة.

4- فلتان الحدود وتركيز القوة العسكرية في العاصمة

يتمركز نفوذ السلطات غالبًا في العاصمة، فسقوط بغداد – مثلًا – كان سقوطًا للعراق، لذا، تحاول الأنظمة حماية مؤسساتها عن طريق تركيز قوتها العسكريّة في العاصمة في حالات عدم الاستقرار السياسي، أي أثناء نشأة الحراكات الشعبيّة وتطورها. لكن هذا يأتي على حساب الحدود والتي يَضعُف فيها التواجد العسكري للدولّة، فتكون عُرضة لدُخول جماعات مُسلحة، أو تسليح وتمويل جماعات متواجدة أصلًا، مُستغلةً بذلك عدم حضور الدولة هُناك، فتُصبح الحدود دولة هاربة من الدولة.

لعل فلتان الحدود مسألة محوريّة في موضوعنا، فدخول بعض الجماعات المُسلحة المُعادية للسلطة قد تكسب تعاطف بعض المظلومين، فيروا فيهم الأمل في التخلص من هذا الظُلم، حينها سنجدهم مصطفين خلفهم، وقد يتطوعون في صفوفهم.

مع وجود جماعات دخيلة مُجهزة، وحاضنة شعبيّة ترى فيهم الخلاص، يكون لدينا حالة مثاليّة لتحوّل الحراك!

5- تعريف الوطنيّة المحصور بمناصرة الدولة ورموزها

داخل إطار تعريف الوطنيّة الضيّق والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بمُناصرة السُلطة، تفقد الشعوب إيمانها بالوطنيّة والحدود والجغرافيا، وتعود إلى مكونات هويتها الأساسيّة – كالديانة أو العرق – فيكون انتماؤها إلى هذه المكونات أشد من انتمائها إلى جغرافيا الوطن.

ومن الأمثلة الحيّة التي نراها اليوم طموحات الأكراد لإقامة دولة كردية، وبالمقابل، طموحات الإسلاميين لإقامة دولة إسلامية. ويأتي هذا بعد اضمحلال صورة “الدولة الوطنيّة” في نظر هؤلاء.

في طريق الشعوب إلى الانفصال عن هذا التعريف الضيق للوطنيّة واللجوء إلى مكوّن من مكوّنات هويتها لتنتمي إليه بشكل أحادي، قد تحارب السُلطة لا بهدف إسقاطها وحسب، بل بهدف إسقاط “الدولة” بأكملها، لتحقيق طموحاتها – العرقيّة أو الدينيّة – على ركامها.

هذه النُقطة قد تكون مبنيّة على عقيدة وأساس فكري تربت بعض الفئات عليه، وقد يكون ناتجًا عن سلوك السلطة وتعريفها للوطنية. لكنه في كل الأحوال يُشجع على تصعيد أوجه المواجهة. هذا التطوّر المحوّري لشكل المعارضة ليس بهيّن ولا بسيط، ولا يسعنا أن نحصر جميع أسبابه وتداعياته هُنا.
قد يكون مُنعطفًا تاريخيًا في بعض الحالات، وقد يكون نزوة شعبية سُرعان ما تنطفئ وتُقمع في حالات أُخرى. لكن في كل الأحوال الأنظمة هي من تُهيئ الأجواء لتطوره بهذا الشكل، وهي من تساعد على انفجاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد