بات من الواضح فى أوساط جماعة الإخوان المسلمين والمتابعين لها, أنها تمر بأزمة داخلية قوية, قد تعصف بمستقبل الجماعة ودورها المأمول فى استكمال الحراك المناهض للانقلاب العسكرى, وفى ظل استمرارها على هذه الوتيرة السريعة ستكون بوادر انشقاق داخلى هو أقرب توقعات أكثر المتفائلين لانتهاء هذه الأزمة.

 

وهذه الأزمة معقدة ومركبة؛ فالأزمة أزمة قيادة وأزمة فكر وأزمة وسائل.

 

فأزمة القيادة تكمن فى القواعد الحاكمة للعلاقة بين القيادة والقواعد, ومن يحكم الإخوان وكيف يحكمهم؟

 

والصراع داخل الإخوان بين قيادتها حاد وقوي, رغم محاولة البعض تبسيطه أو التقليل منه, بعد أن تغيرت موازين القوى داخل التنظيم, وأصبح للشباب دور قوي الآن, وأصبح صوتهم عاليا مسموعا, مما يجعل كثير من قيادات الإخوان يعملون لهم ألف حسابا, ويسمعون لهم، بل يرجعون فى قراراتهم وآرائهم خشية من ردة فعل الشباب, والذى أصبح الآن لهم دور فى صناعة القرار, بعد أن كانت القرارات تأتى بشكل فوقى من الأعلى رتبة فى التنظيم إلى الأدنى رتبة للتنفيذ فقط دون مشورة أو أخذ رأى.

 

ولعل أقوى نتائج هذا الصراع وأهم أعراضه هو أزمة الأفكار والوسائل, فماهى حقيقة الصراع وماهيته؟ وهل هو صراع عقيدة بين حق وباطل؟ أم أنه صراع سياسى بين ديكتاتور مستبد قاتل وبين باحثين عن الحرية لهم وللوطن؟ وهل فعلا الإخوان مؤمنون بالثورة كمنهج وخيار فكري استراتيجي أم أنها وسيلة فرضتها الظروف عليهم، وليس لها مكانا فى أدبياتهم وأفكارهم وأفكار مؤسسهم؟

 

ثم كيف يتعامل الإخوان مع الانقلاب؟ وكيف يواجهونه؟ وهل الحل فى “سلميتنا أقوى من الرصاص” أم فى”سلاحنا أقوى من الرصاص”؟

 

 

وظهر لى بروز هذا الحراك داخل الصف الإخوانى من خلال أخبار تقول إن استطلاع رأى أجراه التنظيم داخل محافظة من المحافظات بين شباب الإخوان حول القتال المسلح ضد السفاح ونظامه فكانت نتيجة الاستطلاع بنسبة 10 بالمائة المؤيدة للقتال المسلح, فى حين أن 90 بالمائة يرفضونه.

 

وفى حوار لى مع أحد شباب الإخوان أكد لى إجراء مثل هذا الاستطلاع, لكن النسبة زادت حتى 40 بالمائة ـ حسب قوله.

 

وجدير بالذكر أن النسبتين السابقتين ـ مع صحتهما ـ قليلتان بالمقارنة لهذا الضجيج الحادث من الأصوات العالية فى الإعلام وخاصة مواقع التواصل الإجتماعى وخاصة من مناهضى الانقلاب بالخارج, كما أنهما يؤكدان حقيقة ما أرنو إليه وأتخذه طريقا وأظنه صوابا وهو لماذا نقول للقتال المسلح الآن: لا ؟

 

 

الجهاد عبادة من أعظم العبادات وأجل القربات وأجمل الطاعات وأكبر التضحيات، وللجهاد دور قيمي وهدف رسالي وغاية نبيلة، فكما نبلت غايته نبلت وسائله وعظمت أهدافه وقويت أشكاله وألوانه.

 

لم يكن الجهاد قتلاً ولا تفجيرًا ولا سفكًا لدماء المخالف بدون جريرة أو ذنب يقترفها هذا المخالف في الرأي والفكرة والمذهب والأيدولوجيا والعقيدة.

 

يقول الأستاذ “حسن البنا” – رحمه الله – في رسالته عن الجهاد: “لما كانت الغاية في الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل فقد حرم الله العدوان، فقال تعالي: {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190)، وأمر بالعدل حتى مع الخصوم فقال تعالي: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:)، وأرشد المسلمين إلي منتهى الرحمة”.

 

فهم حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يُفجرون ولا يُمثلون ولا يسرقون ولا ينتهبون الأموال ولا ينتهكون الحرمات ولا يتقدمون بالأذى، فهم في حربهم خير محاربين كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين.

 

الجهاد معنى عام وشامل كما يقول د/القرضاوى “الجهاد أوسع دائرة من القتال؛ وابن القيم يقول: إن هناك ثلاث عشرة مرتبة للجهاد، واحدة فقط هي التي تتعلق بقتال الكفار وهناك أربع مراتب لجهاد النفس ومرتبتان لجهاد الشيطان، وثلاث للجهاد في المجتمع، وهناك جهاد المنافقين.

وجهاد الكفار قد يكون بالمال أو اليد أو اللسان هذه هي مرتبة الجهاد، بعض الناس يريد أن يحصر الجهاد في هذه المرتبة، لكنه أوسع..”

 

والجهاد ما بين فرض عين وفرض كفاية ومندوب.

 

القتال المسلح قرار جمعى للأمة, تقوم به الأمة كلها ـ وهنا الأمة تشمل النطاق الضيق أيضا ـ وليس قرار فصائلى أو حزبى, وهذا القرار تقوم به الأمة وتُنيب عنها من يقوم به, وتتكفل بحمايته وتوفير الغطاء المادى والمعنوى له, وتحضنه بين جنبات حاضنتها الشعبية.

 

التجارب الحالية كما فى سوريا واليمن والتجارب السابقة كما فى مصر وتسعيناتها والجزائر وعشريتها السوداء تُخبرنا بفشل عسكرة الثورة وحمل الإسلاميين للسلاح فى مواجهة المجرمين والطغاة.

 

ولنأخذ الجزائر نموذجا بسيطا على هذا الفشل، ونتج عنه أن بلد المليون شهيد يحكمها رئيس قعيد عاجز حتى عن ممارسة حياته, هذا البلد العتيد فى الثورة لم يتأثر بالربيع العربى، ولم يحرك ساكنا رغم مجاورته ثورتين: التونسية والليبية, ولم ينجذب شبابها لتنظيم الدولة، ولم ينخدعوا به ولم ينضموا إليه.

 

وتُخبرنا الإحصاءات أن ما يزيد عن خمسين جزائريا فقط هم من خرجوا للقتال المسلح خارج الجزائر, رغم أن الشباب الجزائرى كان من أكثر الشباب العربى الذى انضم للجهادى الأفغانى, وتقول استطلاعات الرأى إن الشعب الجزائرى يؤيد الاستقرار مع الاستبداد خوفا من التغيير, ولعب النظام على ذلك حتى كان شعار بوتفليقه فى الانتخابات الماضية “الاستقرار والاستمرار”.

 

 

كانت تجربة العشرية السوداء قاسية على الجزائريين وعلى مستقبلهم السياسى حتى وصل بهم أن يحكمهم قعيد عاجز.

 

ورفضى للقتال المسلح فى مصر “أى تعميم رفع السلاح فى وجه النظام العسكرى” ـ تسليح الثورة ـ وذلك لأن فريضة الجهاد كشعيرة إسلامية تم تشويهها فى نفوس الناس نتيجة الممارسات الخاطئة لبعض منتسبى الجهاد من الدواعش ومن على شاكلتهم من حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام.

 

وأيضا للحفاظ على مصر من التقسيم والتفتيت والانجرار لحرب أهلية طاحنة لا تبقى ولا تذر, والحفاظ أيضا على ثورتها من أن تتحول كالثورة السورية أو الليبية أو اليمنية.

 

وأيضا عصمة لملايين الأرواح والأنفس والدماء وحفاظا على حريات مئات الآلاف من التشرد والمطاردة, فلك أن تتخيل أن النبى صلى الله عليه وسلم خاض حروبه والتى تجاوت الستين غزوة وسرية لم يتجاوز عدد قتلى جيوشه 1% من تعدادها, وعدد قتلى الكافرين ما يقارب 2% من عدد جيوشهم, وهؤلاء كانوا عسكريين, ولم يكن فيهم مدنيون, ولم تكن هناك طائرات تقصف بالبراميل المتفجرة أو بوارج ولا آليات عسكرية باستطاعتها إخفاء مدن كاملة عن الوجود.

 

والقتال المسلح يحتاج تربية إيمانية قوية  للأفراد والمجتمع, وقدوة علمائية راشدة  تُفند الأخطاء, وقوة ميدانية كبيرة يخشاها الأعداء, ودعم إقليمى ودولى كظهير سياسى ومادى ومعنوى بالمال والسلاح, وكل هذا مفقود فى مصر.

 

كما أن مصر يضرب طيفها الواسع الفساد والاستبداد, والظلم والهوان مما جعل شعبها تغلب عليهم الدعة والاستقرار والجرى وراء لقمة العيش, والسعى فيما وراء “الحيط” للمشى فيها.

 

وأيضا أرفض القتال المسلح فى مصر خوفا من انتشار الفكر الداعشى, وأن تعم بيننا ظاهرة التكفير, وإن خالفتك فقرارى الحرق والتفجير, والسلاح الحاكم بيننا, فلا كبير لنا إلا السلاح ولا قائد لنا إلا القوى بيننا والمتغلب علينا, وهذا كله لعمرى ضياع الدنيا والدين.

 

وأخيرا أهمس فى أُذن مناهضى الانقلاب بالخارج ومؤيدى الثورة وأنصارها وحاملى همها, كثير منكم ذاق طعم الظلم, ورأى بأم عينيه الانتهاكات والاعتقالات والمظلومية التى وقعت عليه وعلى غيره من الثوار, وكثير هرب من الرصاص, وجرى مستخفيا من الاعتقالات, وسعى بجد واجتهاد للهروب من كل هذا ليحافظ على نفسه ولا يجعلها فريسة فى يد الظالمين والمجرمين. وقد تحقق له هذا وأصبح فى مأمن من ظلمهم وطغيانهم وعيونهم.

 

ثم تجده يُحفز الناس على حمل السلاح وعسكرة الثورة وهو فى مأمن بالخارج وحالته مستقرة وأصبح له بيت ووظيفة وحساب بنكى بالدولار!

 

قد يكون السؤال مُلحا الآن لماذا لم تحمل السلاح أنت ولماذا هربت من مصر ولماذا وضعت لنفسك وقتها كثيرا من التبريرات للخروج من مصر؟

 

قد يكون دور مناهضى الانقلاب فى الخارج نشر القضية ودعمها إعلاميا وسياسيا وإقتصاديا وفكريا, مع تكوين لوبيات حقوقية وإقتصادية ضاغطة على المجرمين سارقى الوطن, وعمل مراجعات فكرية ونقد ذاتى للتجربة الثورية برمتها, وتكوين مراكز بحثية وفكرية تُقدم رؤى سياسية وأفكار ثورية, مع دعم الثورة والثوار ماليا.

 

هل فكرت وأنت تُحفز الناس على القتال المسلح أن تُرسل لهم راتبك الشهرى ـ بل نصفه أو ثلثه ـ لتكون مصدر رزق للثورة والمتألمين بدلا من أن تقتات أنت على الثورة وتُصبح مصدر رزق لك مادي ومعنوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد