كنت قد بدأت الحديث في المقال السابق عن الجيش السوري، وتحدثت عن فترة الوحدة بين سوريا ومصر، وعن الجاسوس كوهين، وعن بداية استلام حزب البعث للسلطة في سوريا إلى أن وصلت إلى حرب 1967، حيث تلقى الجيش السوري هزيمة ساحقة من «إسرائيل»، واحتلت على إثرها الجولان.

قبل الحديث عن مجريات الحرب، يجب الإشارة إلى الزيارة التي قام بها حافظ الأسد وزير الدفاع في حينها  إلى بريطانيا عام 1965، وهي موثقة في الأرشيف البريطاني، وتحدث عنها الرئيس السوري في ذلك الوقت أمين الحافظ في شهادته على العصر، حيث تغيب حافظ الأسد عن الوفد السوري في لندن لمدة يومين، والتقى خلالها وزير المستعمرات البريطاني اللورد جورج تومسون، وإلى الآن لا يدري أحد ماذا كان مضمون المباحثات التي أجراها حافظ الأسد في حينها، ولكن الناظر للأحداث المستقبلية التي حصلت في سوريا يستطيع استنتاج المضمون، وهو إعطاء الضوء الأخضر للأسد بحكم سوريا.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى عمليات التسريح الكبيرة في الضباط والقادة العسكريين التي حصلت في سوريا قبل المعركة، وعمليات الإحلال والتجديد في الجيش السوري، وتبديل أصحاب الكفاءات والخبرات العسكرية بأشخاص آخرين لا يملكون أي دراية أو خبرة عسكرية، وتم تعيينهم فقط لانتمائهم لطائفة معينة.

ماذا حصل في حرب 1967 بالضبط؟

أعلنت سوريا قبل أيام من وقوع الحرب استعدادها التام للحرب، وجاء هذا على لسان وزير الدفاع في حينها حافظ الأسد الذي أكد استعداد سوريا لدخول الحرب، وأنها اتخذت جميع الإجراءات الكفيلة بردع «إسرائيل» وجعلها تركع ذليلة!

وجاء تصريح آخر من قائد الجبهة السورية أحمد المير الذي قال إن الجبهة أصبحت معبأة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وأن هذه المرة لن يُسمح لـ«إسرائيل» بهزيمة العرب، لم تتعد هذه التصريحات حد الاستهلاك الداخلي بالطبع، فتحصينات الجيش السوري في الجولان كانت باقية على ما هي عليه، وقد نقل تفصيلات هذه التحصينات الجاسوس الإسرائيلي كوهين أثناء زياراته السابقة للجبهة، قبل أن يُكتشف أمره ويُعدم.

انطلقت الحرب في  صباح يوم 5 حزيران 1967، وتمكنت «إسرائيل» من تدمير 90% من القوة الجوية المصرية، وفي ذلك الوقت لو اتجهت الطائرات السورية إلى قلب فلسطين المحتلة لاستطاعت تدمير معظم المطارات الإسرائيلية، ولتمكنت من تدمير قسم كبير من الطائرات الإسرائيلية لدى عودتها من مصر، وذلك لسبب بسيط أنها ستعود مفرغة من الحمولة الحربية، وبحاجة للوقود؛ فتصبح سهلة الاصطياد حينها، ولأن المطارات الإسرائيلية خلت من الطائرات المدافعة عنها سوى من 12 طائرة، ولكن كل هذا لم يحدث لغياب التنسيق بين القيادتين المصرية والسورية في وقتها، ولوجود شيء أعُد في الخفاء في وقت سابق.

بعد تفرغ «إسرائيل» من الجبهة المصرية والجبهة الأردنية، شنت هجومًا واسعًا على الجولان، والعارف لموقع الجولان السوري يعلم إستراتيجية هذه المنطقة وحصانتها الطبيعية الشديدة، وإطلالها على أربع دول دفعة واحدة، ويستغرب سقوط هذه المنطقة الحصينة جدًّا في عدة ساعات، ولكن منذ يوم 8 حزيران بدأ قادة الجبهة وكبار الضباط بالهرب ومعروف جدًّا بين السوريين قصة أحمد المير قائد الجبهة السورية والذي هرب على ظهر حمار حينها، وهذه ليست نكتة بالطبع؛ بل تحدث عنها العديد من القيادات الموجودة في الجبهة في ذلك الوقت، واكتمل المشهد في يوم 10 حزيران اليوم السادس والأخير للحرب، حيث أذاع وزير الإعلام السوري محمد الزعبي البلاغ رقم 66، والذي أعلن فيه سقوط القنيطرة وجاء هذا البلاغ بأمر وتوقيع حافظ الأسد وزير الدفاع السوري، حتى أن السفير السوري في باريس سامي الجندي قال في ذلك الوقت: «فوجئت لما رأيت على شاشة التلفزيون مندوب سوريا في الأمم المتحدة يعلن سقوط القنيطرة، ووصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف دمشق، والمندوب الإسرائيلي يؤكد أن شيئًا من ذلك لم يحصل!».

بعد هذا البلاغ أتى الأمر بالانسحاب الكيفي من القنيطرة، وغادر كبار الضباط مع الحكومة السورية من دمشق إلى حمص، ومعهم أموال البنك المركزي؛ لأنهم وضعوا في اعتبارهم سقوط دمشق أيضًا بعد سقوط كل من الجولان والقنيطرة.

يتبين مما سبق أن الجولان والقنيطرة لم تسقطا عسكريًّا أبدًا؛ بل تم التفريط بهما عن قصد نتيجة صفقة مريبة جرت في ذلك الوقت، وأن الجيش الذي بقي حافظ الأسد وابنه بشار من بعده يرددان أنه يُعد لتحرير الجولان لم يستعمل لهذا الأمر، ولم يطلق طلقة على «إسرائيل» منذ عام 1974؛ بل إن طلقاته وقذائفه وطائراته لم تستعمل سوى ضد السوريين لقمعهم وقتلهم .

أتابع الحديث في المقال القادم إن شاء الله عن الجيش السوري، وأتحدث بالتفصيل عن عمليات التسريح لضباط الجيش على أساس طائفي منذ بدايتها عام 1963، وكيف تحول هذا الجيش إلى جيش طائفي بامتياز، وأتحدث عن خوض الجيش السوري لحرب 1973.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جيوش
عرض التعليقات
تحميل المزيد