“آمل أن يدرك الأمريكيون أن المصريين يتسلحون بأسلحة غير أمريكية بسبب التعامل الفاتر من جانبهم، وقد نبهناهم بعدم السماح بحدوث ذلك، ونصحناهم بضرورة الاستمرار في دعم النظام الحالي، الذي يتصرف بمسؤولية وبإمكانية العمل على استقرار المنطقة”.

توضح هذه التوصية على لسان “موشي يعلون” وزير الدفاع الإسرائيلي في لقاء حواري مع قناة بي بي سي العربية مؤخرًا وجود أزمة حقيقية في العلاقة بين القاهرة وواشنطن، والتي تعتبر متوترة منذ أربع سنوات.

فقد شهدت السنوات الأربعة الماضية، تخبطًا واضحًا في سياسات القاهرة الخارجية، حيث طرأت بعض التوترات على علاقات الولايات المتحدة الأمريكية، ومصر على أثر بعض الأحداث التي شهدتها القاهرة، لكن هذه التوترات لم تصل إلى حد القطيعة بين القاهرة وواشنطن، بل تراجعت بعض الشيء، وهو ما فتح الباب مجددًا أمام عودة العلاقات المصرية الفرنسية، خاصة مع اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية بعض القرارات ضد القاهرة، مثل إلغاء إرسال بعض المعدات العسكرية، وتجميد جزء من المساعدات التي تقدمها للقاهرة نتيجة وقوع بعض الأحداث السياسية في مصر.

بداية الأزمة

أثار موقف إدارة أوباما المرتبك من ثورة يناير 2011 غضب قادة الجيش المصري، خاصة بعد مطالبته لمبارك بالتنحي فورًا بعد 15 يومًا فقط من الاحتجاجات العارمة التي عمت أنحاء مصر مطالبة بإسقاط نظام مبارك, مما اعتبره المجلس العسكري إهانة وتخليًا من إدارة أوباما عن حليف كبير في المنطقة منذ أكثر من 30 عامًا, وربما لم يكن غضبًا من الماضي بقدر ما كان خوفًا من المستقبل؛ فقد أصبح مصير الجميع في مهب الريح في انتظار مستقبل لم تتضح معالمه بعد.

تغيير قادة الجيش

بعد عام ونصف وقعت تغييرات هامة بشكل غير متوقع في الجيش المصري، ولم يكن البنتاجون راضيًا عن تعيين صدقي صبحي كقائد لأركان الجيش في 11 أغسطس 2012 بقرار من الرئيس المعزول محمد مرسي عقب إقالة المشير طنطاوي وزير الدفاع الأسبق، والفريق سامي عنان رئيس الأركان في نفس اليوم, واعتبر البنتاجون نفسه في مهمة صعبة بسبب أفكار قائد أركان الجيش الجديد، والتي طرحها في رسالة الماجستير التي قدمها بكلية الحرب الأمريكية عام 2005، والتي طالب فيها الولايات المتحدة بتخفيض عدد قواتها في منطقة الشرق الأوسط, واعتبر أن المشكلة الرئيسية هي عدم فهم الولايات المتحدة لطبيعة الحكم في المنطقة، والذي يعتمد على البعد الديني بالإضافة إلى البعد السياسي. (1)

ومن جانبه حاول وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاجل إعادة تأسيس العلاقة مع القوات المسلحة المصرية بعد أن أفلتها من أيديهم محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين, وقد استبدلت وكالة الاستخبارات العسكرية ممثلها في القاهرة منذ 2009 الرائد جوزيف لينجل، والذي كان على صلة قريبة بالنظام القديم, بالعميد ريتشارد إم كلارك، وكانت إحدى مهامه هي بناء علاقة مع عبد الفتاح السيسي رئيس المخابرات الحربية السابق ووزير الدفاع في ذلك الوقت, واستمالة القائد الجديد لأركان الجيش المصري صدقي صبحي، والذي هو بكل صراحة منعدم الثقة من جانب الولايات المتحدة.

انقلاب يوليو 2013

ازدادت الأمور تعقيدًا عقب انقلاب عبد الفتاح السيسي على الرئيس المعزول محمد مرسي في يوليو 2013، وقد رفضت الولايات المتحدة وصف ما حدث بالانقلاب، ولكنها هددت بقطع المعونة العسكرية كما طالب الأعضاء الجمهوريون في الكونجرس بإلغاء المعونة الأمريكية لمصر – 1.5 مليار دولار- بشكل كامل.

وبعد أربعة أشهر تقريبًا حاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية التودد لإدارة أوباما، فتعاقد مع شركة جماعة جلوفر بارك التي يقوم عليها موظفو البيت الأبيض السابقون في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ومن بينهم جو لوكهارت المتحدث السابق باسم الرئيس.

وقد أسفرت جهودها عن عودة بعض أوجه التعاون العسكري لمسارها، مثل كشف وتحديد خرائط الأنفاق السرية بين سيناء وقطاع غزة، بينما تم تجميد صفقة الطائرات F-16 والتي تم تسليم جزء منها قبل الانقلاب على أن يتم تسليم الجزء الأكبر في صيف 2014، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

ولكن ما زال سبب الاختلاف يكمن في رؤية أسباب الأزمة في المنطقة وهو السبب الرئيسي للخلاف بين القاهرة وواشنطن، حيث تصنف القاهرة التهديدات في إطار واحد من ليبيا إلى بغداد، بينما تفرق واشنطن بين التهديدات القادمة من سوريا والعراق وتلك القادمة من ليبيا.

فرنسا بديلًا

بعد أن يئست القاهرة من عودة العلاقات مع واشنطن إلى طبيعتها قبل يناير 2011 أو حتى يوليو 2013 وجهت بوصلتها نحو فرنسا، وبدأ ذلك في مستهل زيارة وزير التجارة والصناعة المصري منير فخري عبد النور لباريس في فبراير 2014، حيث تواصل مع العديد من شركات اللوبيات وجماعات الضغط للقيام بمهام لصالح القاهرة في أروقة الحكم الفرنسية, وجاء ذلك قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية حيث تحتاج القاهرة من يدافع عن مصالحها في العواصم الأوروبية, ويسعى عبد الفتاح السيسي الذي جاء للحكم عبر انقلاب إلى إدارة البلاد عبر انتخابات.

استغلت فرنسا فرصة معاقبة الكونجرس الأمريكي لـ”الجنرال عبد الفتاح السيسي”، وسعت مجموعات الدفاع الفرنسية بنشاط للدخول في أعمال مع مصر، والتي كانت لسنوات عديدة محصورة على الولايات المتحدة.

صفقات التسليح

وبالفعل نجحت مساعي الطرفين وبدأت الشراكة المصرية الفرنسية تؤتي ثمارها، فبعد شاحنة رينو الدفاعية، التي وقعت عقدًا لبيع العربات شيربا المدرعة إلى مصر في شهر مارس 2014، باعت DCNS أربعة طرادات جويند للبحرية المصرية في يونيو 2014، وتفاوضت Sagem مع القوات الجوية المصرية على عقد لتحديث اثنتي عشرة طائرة ميراج 2000 لا تزال في الخدمة.

بينما دخل نظام عبد الفتاح السيسي في عملية شراء طائرات رافال الفرنسية المقاتلة في أكتوبر 2014، وهي ليست عملية حديثة كما يشاع, لكن عمرها 3 سنوات، حيث بدأ اقتراب جنرالات مصر من فرنسا بشأن شراء طائرات رافال في عام 2011، بعد وقت قصير من سقوط حسني مبارك، لكن باريس اعتبرت الوضع في ذلك الوقت غير مستقر للغاية.

وتم تجديد الطلب خلال زيارة وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان إلى القاهرة يوم 17 سبتمبر 2014، حين سأله نظيره المصري صدقي صبحي إذا كانت فرنسا ستقدم عرضًا للطائرات المقاتلة رافال داسو. فمن المحتمل أن يقدموا طلبًا لشراء 24 طائرة.

الدعم الداخلي والتمويل الخليجي

حظى العرض الفرنسي بدعم محلي من قبل عبد الحليم عاصم. وهو رجل أعمال مصري يعتبر ركيزة مهمة في الغرفة التجارية الفرنسية في مصر، وقد كان العضو المنتدب لشركة تاليس الدولية في الشرق الأوسط في مصر لسنوات عديدة. وكان وراء توقيع عقد في مايو 2014 بقيمة 109 ملايين يورو حصلت عليها شركة تاليس لتحديث نظام إشارات السكك الحديدية في البلاد. كما يتفاوض عاصم بشكل منفصل حول تحديث فرنسا لطائرات القوات الجوية المصرية ميراج 2000. (2)

تم تمويل الصفقة بنسبة 80 % من قبل الحليفين القويين لمصر، حيث دفعت السعودية 60 % من قيمة الصفقة، بينما دفعت الإمارات الـ20 % المتبقية.
وقد كثفت مصر وفرنسا العلاقة الاستراتيجية بينهما في الأشهر الأخيرة، جنبًا إلى جنب مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما بخصوص ليبيا. وما زال اختيار سفينتين أخريين قيد التفاوض.

دلالات التحالف الجديد

1- تقدم فرنسي

أفسح التحالف المصري- الفرنسي موطئ قدم لفرنسا في منطقة الشرق الأوسط، تمكنها من القدرة على توسيع مبيعات سلاحها، وقطر والإمارات من الزبائن المحتملين للسلاح الفرنسي، كما أن الجانب الهندي يجري مفاوضات منذ أكثر من 3 سنوات لشراء رافال، لكن لم يتوصل لاتفاق حتى اليوم.

2- نفوذ خليجي

ويمثل التحالف المصري – الفرنسي انعكاسًا للارتباط المصري بدول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا الكويت والإمارات والسعودية، التي مولت الصفقة، ما يعني زيادة تأثير ونفوذ تلك الدول في مصر التي تحتاج إلى دعمهم المادي، بينما يحتاجون هم إلى مكانة مصر السياسية والعسكرية لتعزيز مصالحهم الإقليمية، مثل محاربة الإرهاب ومجابهة تمدد النفوذ الإيراني.

3- قبول إسرائيلي

تعتبر المصلحة الإسرائيلية طرفًا أساسيًّا في صفقات التسليح المصرية، وانطلاقًا من أن إسرائيل من مصلحتها الأساسية أن تظل مصر مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة، فإن تقليل الارتباط المصري بواشنطن يعتبر ذا أهمية كبيرة من وجهة النظر المصرية، كما أن دلالات مشتريات السلاح المصرية في الوقت الحالي لها انعكاسات كبيرة بالنسبة لإسرائيل، وأهمها ارتباط مصر بدول مجلس التعاون الخليجي.
وفي الوقت الذي تتداخل فيه المصالح المصرية والخليجية مع المصالح الإسرائيلية في مواجهة إيران والإرهاب، فإن إسرائيل لا تتوقع أي ضرر بمصالحها الأمنية من وراء الصفقة، وتقليل الارتباط المصري بالولايات المتحدة. (3)

4- رسالة إلى الولايات المتحدة

يأتي الإنفاق على صناعة الدفاع الفرنسية في ظل البرود الحالي في العلاقة بين القاهرة وواشنطن منذ انقلاب قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي. كما لم ينسَ كبار قادة الجيش في مصر كيف أطاح باراك أوباما سريعًا بمبارك.

ولكن تبدو الحكومة المصرية غير قادرة أو غير راغبة في التنازل عن علاقتها مع الولايات المتحدة، خصوصًا أن غالبية سلاح الجيش أمريكي، ومصر في حاجة للمساعدات حتى اليوم بأي قدر تستطيع الحصول عليه.

وقد كشفت مشتريات السلاح المصرية، التي تمت خلال الفترة الماضية، عن إصرار القاهرة على تقوية قواتها المسلحة على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها.
لكن في النهاية، الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على تقديم المساعدات العسكرية لمصر بالقدر الذي كانت تحصل عليه، ولذلك فإن الصفقة مع فرنسا، والمفاوضات مع الجانب الروسي، تعتبر رسالة مصرية للولايات المتحدة مفادها أن مصر ليست معلقة بها وحدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

) إنتليجنس أونلاين
معهد دراسات الأمن القومي
عرض التعليقات
تحميل المزيد