مدخل منهجي

ثمة يقين راسخ عند جل المفكرين والمشتغلين في السياسة وذلك أن وجود العسكر في الفضاء السياسي له انعكساته السلبية على الحياة الديمقراطية، وهذا مرده طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها التي لا تتحمل الديمقراطية، باعتبار ديناميتها الهرمية والقائمة على إعطاء الأوامر وتنفيذها فقط. وبالتالي لا ديمقراطية، أو رأي ورأي آخر، في ثقافة العسكر. إن وجود العسكر يعني وأد الديمقراطية، وفي السودان كان العسكر دومًا عقبة أمام الانتقال إليها أو ترسيخها في بنية الدولة. فخلال 60 عامًا ونيف من عمر الدولة الحديثة، حكم العسكر فيها؛ ما لا يقل عن 50 عامًا أو يزيد. وقد كان ذلك على حساب بناء تجربة مدنية وديمقراطية قوية.

جلبت ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 ، التي أنهت حكم عمر البشير العسكري الذي استمر لمدة 30 عامًا ، الأمل في ظهور نظام مدني يحكم السودان. ويؤسس لديمقراطية رابعة. ولكن – بعد أقل من عام على تعيين رئيس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك – يتلاشى هذا الأمل بسرعة (1). في ظل عسكرة معظم مستويات الحكم وتعطيل آليات العمل الديمقراطي، وكذا بتغييب المجلس التشريعي، وتأخير تكليف الولاة المدنيين.

فبنظرة فاحصة لطبيعة السياسات والخطوات التي قامت بها الحكومة حتى آلان؛ سيتبين لك مدى سيطرة الشق العسكري على المشهد السياسي. وهو شيء يشكل إحباطًا لكثير من القوى الحية للثورة خاصة الحالمة بالحرية ومدنية الحكم أو الساعية لحياة سياسية ديمقراطية، والتي انتفضت بالأساس بعد أن ضاقت ذرعا بديكتاتورية الحزب الواحد وثارت من أجل تفكيك استبداد الإنقاذ «العسكأيدولوجي» وقهر الشمولية وأبعاد العسكر من الفضاء السياسي استعدادًا لدمقرطة الحياة السياسية. وترسيخ العدالة، والحرية، والسلام.

وتوطينها في فضاء تلبد بغيوم الشمولية طوال سنوات كثيرة وحكم عبر بيروقراطية عسكرية معظم الوقت، فالمتتبع لتاريخ السودان الحديث، يجد أنه عاش تحت أنظمة عسكرية أطول بكثير مما عاشه في ظل حكومات مدنية منتخبة؛ إذ لم يهنأ السودان بحكومة مدنية أكثر من عامين أو ثلاثة. غالبًا ما انتهت تلك الحقبة المدنية المؤقتة باضطرابات، ونزاعات سياسية تؤدي إلى عدم استقرار، وتدهور اقتصادي، يستدعي تدخل الجيش، وكأن تلك الحقب المدنية كانت بمثابة درس من المؤسسة العسكرية للشعب وقطاعاته المدنية بأنهم عاجزون عن إدارة أنفسهم، وقاصرون عن مواجهة التحديات، ومفتقرون لأدوات إدارة البلاد. والمفارقة أن الجيش إذ يقدم نفسه بديلًا ومنقذًا، ما أن ينقض على السلطة حتى يوظف عقليته العسكرية السلطوية لقمع الحريات، والأحزاب، والحياة السياسية، والمدنية؛ ما يستدعي ثورة شعبية عارمة بعد أن ينهك الفساد والاستبداد العسكري مقدرات البلاد، ويبدد ثرواتها، ويقيد الحريات فيها، ويقضي على الحياة السياسية (2).

نظريات ضبط العلاقات العسكرية – المدنية

لا يُجمع المختصون والباحثون في العلوم السياسية والعلاقات الدولية على تعريف واضح لطبيعة وضوابط العلاقات المدنية – العسكرية، ففي النظرية التقليدية الأمريكية مثلًا، يقدِّم صامويل هنتنغتون Samuel P. Huntington العلاقات المدنية – العسكرية كمتغير تفسيري، يقوم على مبدأ الاحتراف والمهنية، بمعنى أن الجيش يجب ألا ينخرط في الحياة السياسة، ومهامه تنحصر في تنفيذ وإنجاز السياسة الدفاعية للبلاد، بينما أضاف جانووتيز Morris Janowitz بعدًا آخر للنظرية التقليدية، التي تقوم على الحياد السياسي للجيش، بأن أكَّد على ضرورة مشاركة المؤسسة العسكرية في وضع أسس النظام الديمقراطي، وذلك لأنه يعتقد أنه من الصعوبة التطبيقية العملية بمكان أن يتم التعامل مع المؤسسة العسكرية على أنها كيان محايد، أو «مرتزقة» ينفذون خططًا وسياسات وبرامج أمنية ودفاعية، مقابل امتيازات مادية، ومكافآت مالية، وقدمت ريبيكا شيف Rebecca L. Schiff عدة أدوات ومبادئ لتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسستين، كان أهمها التأكيد على أهمية الحوار، ومشاركة القيم والغايات العليا بين العسكريين من جهة، والنخب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى (3).

العلاقات المدنية – العسكرية في السودان

يشير عدد من الدراسات، إضافة للسلوك العملي، إلى أن انخراط العسكريين في العمل السياسي في السودان قد صاحب تكوين المؤسسة العسكرية السودانية منذ نشأتها. وظهرت الروح الوطنية بقوة وسط الضباط السودانيين في الجيش المصري، كما تكونت الجمعيات السرية مثل جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الأبيض، وتجلت تلك الروح في ثورة 1924، إلا أن تأسيس قوة دفاع السودان وقيام الكلية الحربية كان على أسس بريطانية وثقافة تنظيمية تفرّّّّّّق بين المجالين السياسي والعسكري (4).

وترعرع الجيل الأول الذي تلقى تدريبه على أيدي ضباط بريطانيين في ظل هذه الثقافة. لذا جاءت ملابسات الانقلاب الأول للفريق عبود، مفارقة لهذه التقاليد البريطانية. وقد أشار رث فيرست إلى هذه المفارقة حين تناول دور عبد الله خليل في الانقلاب فكتب: عبد الله خليل ركيزة تقاليد المؤسسة البريطانية في السودان والعضو الرائد في المجلس الاستشاري والجمعية التشريعية، ثم البرلمان بعد ذلك، والذي تبوأ المناصب العالية في فترتي الحكم الذاتي والاستقلال، استخدم جيشًا بريطاني التدريب ليهدم كل البنيان بما فيه التقليد البريطاني المتّبع والقاضي بعدم تدخل العسكريين في السياسة (5).

العسكر والديمقراطية في السودان وأسباب تدخلهم في السلطة

تنص معظم الوثائق الدستورية على أن الجيش الوطني مكلف بالدفاع عن وحدة البلاد وسلامة ترابها وسيادتها، ولا تذكر أي من هذه الوثائق الدستورية أي دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسة العامة وإدارة شؤون البلاد. اللهم إلا الوثيقة الدستورية الأخيرة التي عابها تقنين وجود العسكر السياسي. ولكن وبالرغم من ذلك لطالما كان للجيش السوداني صولات وجولات في فضاء العمل السياسي «واشتغالات» السلطة. ثمة أسباب لهذا الداء العضال الذي ظل ينهش في جسد الديمقراطية ويقطع سيرورتها؛ منها: حالة التصدع السياسي والانقسامات والتجاذبات السياسية بين الأحزاب والتي تنعكس سلبيًا عن أداء الحكومات الديمقراطية، وتؤدي إلى هشاشة الوضع، وبالتالي إعطاء مبررات منطقية للعسكر للوصول إلى السلطة.

الاستقطاب السياسي المتزامن مع تسييس المؤسسة العسكرية بحيث أصبح العسكريون امتدادًا لمدنيين داخلها، وغدا الانقلاب العسكري استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى فقط انقلاب الفريق عبود لم يكن ذا صبغة سياسية أو ذا غطاء أيديولوجي حزبي. وذلك بالإضافة إلى اتسام الذهنية العسكرية، بإيمان راسخ بأن أي كيان مدني سيكون عرضة للفساد، وسيعرِّض البلاد إلى اضطرابات اقتصادية بسوء إدارة، ومراهقة سياسية، وافتقار للخبرة والحنكة والانضباط الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية. وفي ذلك يذكر لوكهام في كتابه «المؤسسة العسكرية، والعسكرة، والديمقراطية في أفريقيا (1998)» أن حكم المؤسسة العسكرية في فترة ما بعد الاستعمار في البلدان الأفريقية، كان انتقالًا لا مفرَّ منه، وتحولًا نموذجيًّا لا غنى عنه في أسلوب الحكم وإدارة البلاد. وبمرور الزمن، أضحت مطالبة الجيش بالسلطة وأحقيته في الحكم تنبثق أساسًا من اقتناع المؤسسة العسكرية بأن أية حكومة مدنية قد تفرزها انتخابات ديمقراطية لن تكون جديرة بالثقة، ولن تكون مؤهلة لخوض غمار السياسة، وسبر أغوارها (6).

سرد تاريخي للأجواء التي سبقت الانقلابات العسكرية

تعد الانتخابات التي أُجريت في العام 1958 أول إجراء ديمقراطي بعد الاستقلال. ويمكن القول إنها اتسمت بالشفافية عكس كل الانتخابات اللاحقة. وكان من نتائجها بروز كتلة جنوبية سياسية متحدة هي كتلة «الأحرار الجنوبي»، كما شاركت فيها الجبهة المعادية للاستعمار، واجهة الحزب الحزب الشيوعي. ولم يتمكن أي حزب من إحراز أغلبية في هذه الانتخابات، وجاءت نتائجها على النحو التالي: حزب الأمة 67 مقعدًا، وحزب الشعب الديقراطي 32 مقعدا، والحزب الوطني الاتحادي 46 مقعدًا وكتلة الأحرار الجنوبي 24 مقعدًا وحصل المستقلون على أربعة مقاعد. وعقب الانتخابات تكونت حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة الشعب الديقراطي. وقد ألقى التنافس الحاد بين طائفتي الأنصار والختمية بظلاله على عمل الحكومة؛ إذ جعل التعاون بين الوزارات صعب التحقق (7). في هذا يشير هولت إلى أن التحالف بين الحزبين كان في طبيعته مصطنعًا وانتهازيًا، وما جمع بينهما هو إزاحة الأزهري والوطني الاتحادي عن السلطة. وفي كل السياسات الرئيسة كان الحزبان على طرفي نقيض منها (8).

خلقت كل تلك التناقضات فضاءً سياسيًا مليئًا بالتحديات بالنسبة لديمقراطية نشئت للتو، وكذلك انعكس الصراع على أداء الحكومة التنفيذية. فظهرت الصعوبات الاقتصادية وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية وقيام عدد من الإضرابات في المصانع المنشأة حديثًا. ومثلت المناورات السياسية بين الأحزاب المكونة للحكومة الائتلافية الهشة، بيئة ملائمة للقوات المسلحة لتتدخل لاستلام السلطة. وحتى إذاعة بيان الانقلاب الأول للفريق عبود لم تكن الديمقراطية الوليدة مهددة بالوأد الكامل، ولكن جاءت السياسات التي أعقبت تلاوة البيان لتكشف عن قطع المؤسسة العسكرية لسيرورة دمقرطة الدولة. فتم حل الأحزاب والنقابات العمالية، وكذلك الجمعيات وأخيرًا مصادرة الصحف، أو بالأحرى مصادرة الفضاء العام بمنطق الشرعية الثورية.

 إلى أن جاءت ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1964 لتعيد إحياء السياسة بإعطائها قبلة حياة أعادت بعثها من جديد. وبعيد تلك الثورة المجيدة بدا أن الساسة لم يستفيدوا مما حدث للديمقراطية من وأد، فأعادوا تجربة الاستقطابات الحادة والتشاكس والمباريات الصفرية التي انتهت بعودة الاستبداد العسكري والشمولية، وقد عكس بيتر كولد الوضع قبل الإنقلاب بدقة حين ذكر: أن «الستة أو السبعة أشهر التي سبقت انقلاب مايو (أيار) 1969 كانت مليئة بالكيد والكيد المضاد وبالتواصل مع أحزاب وتحركات خلف الكواليس قامت به الغالبية العظمى من الشخصيات الرئيسة في البلاد». فتقطعت مرة أخرى أوصال الديمقراطية.

وجففت منابعها، وحكم النميري بعدها بالحديد والنار. لتبدأ بعدها عذابات الدولة ورحلاتها السيزيفية مع مؤسسة عسكرية لا تريد ترك السياسة. ثم تأتي انفراجة أخرى عبر ثورة شعبية 1985 ثم كيد وكيد مضاد بين الأحزاب واختناق تام وشظف في العيش وضيق في الحياة، لتجد الشمولية العسكرية المؤدلجة كرة أخرى منفذًا للدخول إلى باحة الحياة السياسية في عام 1989 (9). وتفعل كسابقاتها من السلطات الاستبدادية العسكرية وهذه المرة بخنق الديمقراطية لمدة أطول – 30 عامًا بالتمام والكمال – أسكتت فيه الأصوات، وكممت الأفواه، وتم التنكيل بالمعارضين، وسممت الأجواء السياسية. حتى أخذت ديناميكية الحياة السياسية السودانية دورتها وأتت بثورة ديسمبر لتأسس لحلم جديد بالديمقراطية ومدنية الحياة وتكسير بنية الخطابات الشمولية وقفل الباب أمام عودة البيروقراطيات العسكرية؛ وهو ملمح ما زال غائبًا حتى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد