في ال 20 من مايو 1991 أعلن عن تعيين «محمد حسين طنطاوي» وزيرا للدفاع خلفا لـ «يوسف صبري أبو طالب» الذي خلف بدوره وزير الدفاع الأكثر كاريزمية في تاريخ وزراء دفاع مصر المشير «أبو غزالة» وعلى عكس المعتاد لم تطل مدة ولاية «أبو طالب» كوزير للدفاع لأسباب غير معروفة وإن كان يشاع أن كيمياء الرجل لم تكن متوافقة مع كيمياء مبارك. ليأتي بعده الرجل الجديد الذي سوف يرسخ وجوده في المنصب لأكثر من عشرين عاما.

في أعقاب اتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين المصري والإسرائيلي عام 1978 وإزاء الحماسة البالغة التي كان يوليها السادات لهذه الاتفاقية باعتبارها واحدة من أهم منجزاته. تغيرت المنهجية الفكرية للجيش المصري الذي يمثل العصب الرئيسي في كيان الدولة المؤسسي، وأمام وضع اقتصادي غير مستقر، وميزانية عسكرية ضخمة، واستعداد لسنوات طويلة من السلم والخمول العسكري ولدت المنهجية الجديدة المتعلقة باقتحام الجيش للمجال الاقتصادي في محاولة لبلوغ أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي.

سياسة طنطاوي

حينما تولى «محمد حسين طنطاوي» القيادة العامة للقوات المسلحة، كانت أمور الجيش منتعشة إلى حد كبير،   بفضل السياسة الاقتصادية  الناجحة التي رسخها المشير «أبو غزالة» على مدى عقد من الزمن إضافة إلى العائدات المادية الضخمة التي دخلت خزائن الجيش بعد مشاركته في حرب تحرير الكويت. وقد اتبع طنطاوي سياسة اقتصادية مشابهة لتلك التي بدأها أبو غزالة وعمل على مدى عشرين عاما على توسيع المجالات والاستثمارات التي يشارك بها الجيش داخل الدولة، في البداية كان النشاط الاقتصادي للجيش يقتصر على ما يسميه الجيش بالصناعات التي تتعلق بالأمن القومي، وهي في أغلبها صناعات ثقيلة يستفيد الجيش من مستخرجاتها لذى رأى أن يقوم بإنتاجها بنفسه. تطورت هذه الفكرة فيما بعد واتسعت لتشمل المنتجات الزراعية والحيوانية وكانت الحجة في ذلك أيضا هو أن يمتلك الجيش غذاؤه. في العقد الأخير من حكم المشير طنطاوي برز نجم جديد في الساحة المصرية، وكان لهذا النجم الشاب سياسة اقتصادية جديدة تماما على المجتمع البيروقراطي المصري، كان هذا النجم هو «جمال مبارك» المدعوم بقوة من أعضاء الحزب الوطني والذي يتمثل في أغلبه من صفوة رجال الأعمال. اتبع جمال مبارك سياسة مشجعة للخصخصة وعمل على تقليل دور القطاع العام بشكل كبير في الاقتصاد المصري. ودعم إعطاء فرص تشجيعية وتحفيزية لرجال الأعمال وكان أبرزهم صديقه المقرب أحمد عز الذي اقتحم عالم الصناعات الثقيلة وتضخمت إمبراطوريته الحديدية في سنوات قليلة. ولم يصطدم جمال مبارك طوال فترة إدارته للأمور من خلف الستار بالمؤسسة العسكرية إذ كان هذا الملف ما يزال في يد الرئيس العجوز.

لم يكن الجيش على ما يبدو على توافق مع سياسة ابن الرئيس إلى أنهما لم يتصادما مطلقا. ولجأ الجيش على غرار هذه السطوة لرجال الأعمال إلى التوسيع من نشاطاته الاقتصادية، حيث اقتحم الجيش عدة مجالات بصورة واسعة وكانت هذه المجالات في أغلبها تتعامل مباشرة مع المستهلك العادي، «سوبر ماركت» «محطات بنزين» «قاعات أفراح». وقد عمد الجيش إلى تحسين صورته من خلال هذه المجالات معتمدا على أسعاره التنافسية التي تقل عن السوق العادي في أغلب الأحيان. ونجحت المؤسسة العسكرية في اكتساب شعبية جماهيرية من خلال هذه المجالات مستغلين حقد المصريين على مبارك ورجاله.

الهيئة الهندسية وهي واحدة من كبريات الهيئات داخل الجيش، نجحت أيضا في ظل عهد طنطاوي في توسيع أنشطتها فعوضا عن الأعمال الهندسية المتعلقة ببناء وحدات سكنية تابعة للجيش وفنادق للضباط وخلافه، بدأت في اقتحام مشاريع الطرق والأبنية الحكومية وما إلى ذلك من مشاريع ضخمة كانت تتولاها في السابق شركات عقارية تابعة للقطاع العام.

فيما يتعلق بالتسليح ظل هذا الملف مبهما طوال عهد المشير طنطاوي، فلم تكن صفقات السلاح يشار إليها في الصحف أو القنوات. لكن ظلت هناك عقيدة ثابتة لدى الشعب بأن الجيش هو الأقوى عربيا وأفريقيا، وأن صفقات التسليح تجري بشكل دوري. وباستثناء المناورة السنوية (بدر) وحفلات تخرج الكليات العسكرية لم تكن أخبار الجيش تتصدر العناوين سوى لماما.

على المستوى الشخصي كان طنطاوي الذي خدم من قبل كرئيس للحرس الجمهوري أذكي بكثير من سابقيه في التعامل مع شخصية مبارك. إذ لم يسع قط إلى اكساب نفسه جماهيرية شعبية، وابتعد عن وسائل الإعلام تماما حتى أن مرات ظهوره في البرامج التلفازية طوال عهد مبارك لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. واكتفى طوال هذه الفترة بدور الموظف المجتهد في وظيفته.

سياسة عبد الفتاح السيسي

«من 2011 والقوات المسلحة بتصرف على البلد، وخزانة الدولة فاضية».

تلخص هذه الجملة التي وردت على لسان اللواء «ممدوح شاهين» النظرة الجديدة لقيادات الجيش تجاه الدولة بعد ثورة 25 يناير. وهي النظرة التي بات على أساسها تتعامل مؤسسة الجيش من منطلق الراعي وصاحب اليد العليا على كل كيانات الدولة المصرية. وبات من غير المسموح أن تتنازع أي من المؤسسات مع الجيش على الكعكة الكبيرة للوطن.

في 12 أغسطس 2012 وفي خطوة مفاجئة أعلن الرئيس محمد مرسي بعد شهر واحد من تولية زمام الحكم عن تعيين اللواء «عبد الفتاح السيسي» وزيرا للدفاع وترقيته إلى رتبة فريق أول، منهيا بذلك عقدين من تربع المشير طنطاوي على رأس الجيش. وأشارت مواقع الإخوان وقتها إلى السيسي كونه وزيرا للدفاع بنكهة ثورية!

اتخذ «السيسي» خطوات واسعة في بدايات توليه للمنصب وعمد إلى تحسين صورة الجيش التي اهتزت بصورة كبيرة أثناء فترة حكم المجلس العسكري. تجاهل السيسي تماما ما يسمى بالنشطاء أو شباب الثورة والذين كانوا عماد المقاومة لسقطات المجلس العسكري. وعمد إلى بث الروح في قوة شعبية أخرى كانت خاملة طوال فترة الثورة وسميت إعلاميا بـ «حزب الكنبة» نجح السيسي في جذب هذه القوة الجماهيرية الكبيرة إلى صفه، ومستعينا بشخصيات عامة سياسية وفنية كانت رافضة للحكم الإخواني تهيأت الأمور له في مدة قصيرة كي يطرح اسمه هو والجيش كمخلصين للشعب من الحكم الإخواني.

تضخمت في فترة تولي السيسي زمام الأمور في الجيش ثم الدولة فيما بعد أنشطة الجيش الاقتصادية. وتحولت من منافس للقطاع الخاص في العديد من المجالات إلى محتكر كامل للسوق. تغيرت السياسة الاقتصادية للجيش وبعد أن كانت تقوم على الاكتفاء الذاتي للمؤسسة العسكرية صارت تقوم على الربحية الرأسمالية الكاملة.

يظهر بوضوح في المشهد السياسي المصري عدم الثقة الكاملة التي يشعر بها السيسي تجاه كل من هو خارج الجيش، حتى ولو كان من أشد مناصريه. لذا صارت كل المشروعات القومية الآن تنفذ بواسطة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وأصبحت استثمارات الجيش تبدأ من مشاريع عملاقة كحفر قناة السويس ولا تنتهي عند المجند الصغير الذي يقف لبيع المرطبات فربما هناك جديد. وصارت الدولة التي تشرع القوانين التي تضمن التنافسية ومنع الاحتكار هي نفسها من تكسر بهذه القوانين عرض الحائط. فصار الأمر المباشر هو الصيغة الغالبة في كل القرارات، وباتت الوزارات تولي مشاريعها إلى الجهات التابعة للجيش حتى تقوم هي بتنفيذها. وفي بعض الأحيان تتنازل وزارة ما – الصحة على سبيل المثال – عن دورها في توفير الدواء للمؤسسة الطبية بالقوات المسلحة.

وعلى عكس التكتم الذي صاحب أخبار القوات المسلحة في عهد المشير طنطاوي، عمد السيسي إلى خلق منبر إعلامي خاص بالجيش فظهر مسمى المتحدث العسكري للقوات المسلحة. وباتت جميع الأنشطة بما فيها صفقات السلاح تذاع للملأ. نجح السيسي في بداياته في تحسين صورة الجيش، لكنه اليوم بتوغله الخطير في الحياة المدنية وبمنافسته لرجال الأعمال وصغار التجار في أرزاقهم قد خرج تماما من إطاره المقدس كحامي للوطن وأصبح عليه أن يتعامل مع آليات السوق كواحد منها يتقبل النقد اللاذع من السياسيين والسخط من الفقراء وما أكثرهم. وبات على الجيش أن يتعامل مع كل متطلبات الشارع خصوصا مع التوجهات الحكومية لرفع الدعم بصورة كاملة، وهي مهمة شاقة لم يكن أبدا من دوره خوض غمارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد