كنت في الصف الثاني أو الثالث الابتدائي لا أتذكر تحديدًا، وكنت أعبر الطريق صباحًا مع والدتي، وحين أفلت يدي من قبضتها وسابقتها بالعبور من أمام سيارة متجهة نحونا عنفتني والدتي كثيرًا، وعندما كان ردي أن لا تقلق «دي عربية جيش» كان رد أمي التلقائي الذي خرج منها بدون تفكير «ما هي دي المشكلة». لم أفهم وقتها ما هي المشكلة.

«القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن في حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة. ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري، إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية، أو معسكرات القوات المسلحة، أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم. ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى. وأعضاء القضاء العسكري مستقلون غير قابلين للعزل، وتكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية» مادة 204 من الدستور المصري.

أصدر الرئيس قرارًا جمهوريًّا في شهر أكتوبر الماضي بضم بعض المنشآت الحيوية إلى حماية القوات المسلحة بجانب الشرطة؛ مما يدخل هذه المباني والمنشآت ضمن كلمة المنشآت العسكرية. مما يزيد من قبضة القوات المسلحة في  الشوارع، ويزيد من أعداد الذين تقوم الدولة بمحاكمتهم عسكريًّا. وكان من ضمن ما اشتمله القرار الجمهوري مباني الجامعات.

أصبحت مصر من الدول القليلة التي تقوم بمحاكمة المدنيين أمام قضاء عسكري، والذي يكون فيه القضاء من القوات المسلحة والخصم من نفس الصفة السابقة.

لذلك فعلى كل مصري أن يتجنب افتعال مشكلة أو حتى إغضاب أي ضابط مصري، فلو فعلت ستجد نفسك أمام قضاء عسكري، ويمكن ألا تستطيع الحصول على أقل حقوقك في المحاكمة العادلة.

عندما كنت في سيارة أحد أقاربي وأنا في أحد الصفوف الإعدادية، وتساءلت عن سبب عدم وجود لوحات معدنية على السيارة المارة بجانبنا، ولماذا لا أستطيع رؤية من بداخلها، كان الرد التلقائي ممن كانوا داخل سيارتنا «تلاقيه ظابط ولا حاجة».

«المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر، وإن التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون» المادة 53 من الدستور المصري.

المواطنون جميعهم سواء لدى القانون، ولكن عليك ألا تندهش عندما ترى سيارة بدون لوحات معدنية تمر بجانب كمين دون أن يحدث أي رد فعل من جانب الكمين. لا تندهش عند سماع أخبار مثل أن بعض ضباط الجيش حاصروا أحد أقسام الشرطة لأن ضابط شرطة تابعًا للقسم تحدث مع زميل لهم بطريقة لم يجدوها ملائمة. وبالطبع لا يمكنك الاندهاش عندما يقع تحت يدك فيديو لضابط يسب أحد المواطنين بألفاظ نابية ويعتدي عليه في أحد الشوارع في النهار، فقط للمشاجرة على أحقية المرور، ثم يركب الضابط سيارته بكل ثقة ويبتعد دون أن يستطيع أحد مواجهته أو تعنيفه عما فعل (انظر للفقرة السابقة لتعرف لماذا لا يستطيع أحد توقيف الضابط عما كان يفعل؟).

ولكن تذكر مادة الدستور السابق ذكرها فلا أحد فوق القانون والجميع سواسية.

كنت أسير مع أحد أقاربي صغار السن نسبيًّا في شوارع القاهرة، عندما سألني عن معنى الكلام المكتوب على إحدى اللافتات المعلقة على أحد الكباري، والمكتوب عليها أن الهيئة الهندسية هي من قامت ببناء هذا الكوبري، وكان ردي «حاجات الجيش بيعملها للبلد».

لم اُعلِم الصغير أن كارتة طريق مصر إسكندرية الصحراوي تذهب للجيش بعد أن مُنِح حقوق تطوير الطريق لمدة 50 عامًا. لم نتحدث عن طريق شبرا بنها الذي حصل عليه عن طريق الانتفاع لمدة 99 عامًا. لم أتبادل معه أطراف الحديث حول جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، أو الهيئة القومية للإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، ولم أوضح له ماهية ما يتم تصنيعه سواء من أدوات عسكرية أو غيرها من الأجهزة الكهربائية. لم أذكر مصانع الأسمنت والمياه، أو شركات الاستصلاح الزراعي والكيماويات.

بالطبع لم نتحدث عن تقليل فرص الشركات الأخرى في المناقصات، ولم نتحدث عن عنصر العمال الذي يُرجح كفة عن كفة أخرى، وبالأحرى لم يدر الحديث عن الأمر المباشر من الحكومة الذي يذهب لفئة معينة.

جاءني بعد ذلك نفس القريب ليقول لي إنه قرأ أن الجيش يسيطر على ما يُقارب أربعين بالمئة من الاقتصاد المصري، وقرأ في خبر آخر أن الجيش قد أنشأ شركة مقاولات جديدة، وسألني عن ذلك فابتسمت ولم أرد عليه.

يُحكى أن رجلًا يقود سيارة بدون لوحات معدنية مر على طريق شبرا بنها وهو ذاهب إلى مقر عمله، ووصل سالمًا، بينما كان سائق تاكسي واقفًا يوبَخ في أحد الأكمنة بسبب أن المصباح الخلفي لسيارته مُحطم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجيش
عرض التعليقات
تحميل المزيد