تدورُ أحداثُ ثلاثية فِرْعَوْنَ وناصرٍ والجنرالِ على أرض واحدة، جُدران الظلم الملطخة بالدماء على مر العصور، والنتيجة معروفة “شعب لم ينجح أحد” في اجتياز مادة التاريخ، حالة نادرة ميئوس منها في التحرر من ظلمات الجهل بتاريخها واستلهام العظة والعبرة من الماضي رغم الجهود المضنية التي يبذلها التاريخ في إعادة نفسه منذ قديم الأزل لوضع الأمم الغبية على الطريق الصحيح.

لكن للأسف، لم يفلح سوى القليل منهم في فصول محو الأمية التاريخية، ببساطة لأنهم استعدوا جيدًا للإجابة على أهم أسئلة المادة وأكثرها خبثًا ودهاءً على الإطلاق؛ “بم تفسر: الاستخفاف”، كان جوابهم نموذجيًا وحاسمًا من وحي تاريخهم، أن يستجهل الطاغية رعيته المتخلفة أصلًا في كل صغيرة وكبيرة حتى يصل بهم الأمر إلى تأليهه أحيانًا ورؤيته “سر الأسرار” أحيانًا أخرى.

مثل هذه الإجابة الفذة الحرة المستقلة لا تشكل أي أهمية لأمة قوية مجيدة استطاع جنرالها الهمام أسر قائد الأسطول السادس الأمريكي وحبسه بدار الأسلحة والذخيرة بالعباسية، ومن ثم إطلاق سراحه نظير فدية محترمة ليعيد إلى الأذهان أمجاد الفارس أقطاي وبطولاته في القبض على لويس التاسع وإيداعه دار ابن لقمان ذليلًا لا يقدر على شيء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

نعم، فمن ذا الذي يجرؤ على تحدي ترسانة أمريكا العظمى في هذا الزمان إلا جنرالًا وهب نفسه لله! سائرًا على درب سلفه الناصري الذي كان إعلامه يمارس الكذب الجميل على رعيته المغفلة المسكينة (انظر باب الكذب الجميل على الشعب المغفل العاشق للتطبيل)، فعامر مثلًا كان دائم الانشغال بحضن بنت عبد الحميد الدافئ حتى أنساه الأخير متابعة جنوده ومعرفة مدى استعدادهم القتالي، فراح هو الآخر – كلما سأله ناصره عن أخبار الجيش – يمارس ذات نوع الكذب عليه بمقولته الخالدة الشهيرة “الجيش تمام يا ريس!”.

باختصار شديد، كانت المنظومة كلها غارقة في وحول الكذب والخديعة التي أكلت – ولا تزال تأكل بالمناسبة – بعقول الغلابة حلاوة، حتى شعر الجميع باستحالة السقوط أو الانتكاس في ظل هذه القيادة الحكيمة نهارًا العاهرة ليلًا! لدرجة أن الشحرورة ذات نفسها كانت مطمئنة لهذا الاستتباب الظاهري، فأردفت تشتكي للسادة المشاهدين أفاعيل فؤاد المهندس فيها وإن “الراجل هيجننها” وأنه على السادة المشاهدين إيجاد حل جذري لجنونه وإلا تحولت عيشتها معه إلى مرار! فلم يعد هناك شيء يستحق اهتمام الناس سوى مشاكل الشحرورة مع فؤاد وكأن البلد قد أصبح بين عشية وضحاها “سويدًا” آخر.

لم يعد لدى أهله سوى العناية بالسفاسف المثيلة وتجربة شيء جديد غير مألوف وإلا انتحرت الرعية المترفة بسبب ارتفاع معدلات الرفاهية والقوة والتقدم التي بلغوها فجأة! إلى أن وقعت سيناء في براثن اليهود وأيقظ وقوعها عامرًا من أحلى نومة في حضن بنت عبد الحميد ليمثل أمام ناصره بالملاية البيضاء وهو صاغر، فتكتشف الرعية الغلبانة أن الحلاوة التي أكلوها فيها سم قاتل…

ما أشبه الليلة بالبارحة ولكن مع زيادة ملحوظة في جرعة السم بحلاوة اليوم، وإن شئت فقل “مع تركيز جرعة الاستخفاف”… ففي الوقت الذي تتغنى فيه الرعية بإنجازات الجنرال الفنكوشية المهيبة من دحر الأسطول الغازي الأمريكي وحفر ترعة السويس الجديدة رايح جاي والعاصمة الإدارية، يظهر أعداء النجاح المتربصون بالجنرال آناء الليل وأطراف النهار ليدَّعوا ظلمًا وبهتانًا بأن الحلاوة مغشوشة ومنتهية الصلاحية، مستدلين على ذلك بإشاعات مغرضة لا يأتي بها سوى الدجاجلة والمنتفعين أصحاب المصالح الشخصية.

فهل يُعقل أن تتلطخ صفحة إنجازات الجنرال ناصعة البياض بخرافات وأساطير سخيفة مثل انتشار وقائع تعذيب الرعية بأقسامه حتى الموت! واختفاء الشباب قسرًا من منازلهم! بل والأدهى أن أذناب الطابور الخامس العميل يتهمونه بأنه صاحب الفضل في تزاوج التماسيح بنهر النيل وانتشار بيضهم كبير الحجم على طول ضفتيه مما أدى إلى تخويف الأهالي، علاوة على اتهامه بضعف الشخصية أمام السد الحبشي الذي سيقلل من حصة أرض الكنانة في مياه النيل، لكن الله يدافع عن جنرالنا المؤمن دائمًا وأبدًا…

انظر إلى سعة رحمة الله، فعندما حاول هؤلاء الخوارج تشويه صورته يوم 25 يناير الماضي، أمر داخليته في عيدها أن توزع الحلويات والشيكولاتة على الرعية وأن يأخذوهم بالأحضان نكاية في هؤلاء الخوارج المارقين، فأحست الرعية المطحونة “على دمها” وهتفت تقول “قل موتوا بغيظكم – الجنرال هو رئيسي”، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء! لم أكن أتخيل إطلاقًا أن حل مشاكلنا كلها بهذه البساطة وأنه يتلخص في قطعة من الحلوى وشيكولاتة بالمكسرات، يا خسارة الدماء التي بُذلت في الأعوام الماضية.

يا لسذاجة الباذلين الذين ضحوا بأعينهم التي فقأها رصاص الداخلية الغشيم قبل خمسة أعوام بسبب استكبارهم ورفضهم للشيكولاتة، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد ورد في الأثر الجنرالي، أن جنرالًا مؤمنًا كان دائم الترحال إلى أرض الحبشة كي يرد أهلها إلى رشدهم وينبئهم بأن الماء قسمة بينهم، فسخروا منه وقذفوه بطماطم مجنونة منتهية الصلاحية، فراح يشكو إلى الله ضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الأحباش، حتى رأى في منامه ذات ليلة سمراء صغيرة تسقيه شربة ماء من زجاجة مياه معدنية مشبرة وسط بيداء قاحلة شديدة الشمس، وبئرًا جوفية تكفي حاجة رعيته من الماء ردحًا من الزمان، ففرح وقص رؤياه على واحد من العارفين بالرؤى والمنامات، فبشره الأخير بأن رعيته قد لبست خازوقًا حبشيًا مُغَرَّى، شاهق الطول، مُستدق الرأس، إذا أُدخل تعذر إخراجه، وأن السمراء الساقية والبئر المزعومة أضغاث أحلام من عمل الشيطان، فإذا رأى مثلها في منامه، فلينفُث عن يساره ثلاثًا وليستعذ بالله من إبليس ثلاثًا ولا يُحدث بها مخلوقًا قط، كي لا تصير فضيحته مجلجلةً وتضيع هيبته وسط الرعية، فكان جزاء العارف وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه؛ السجن والعذاب الأليم بمنتجعات بورتو طرة حتى الموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي, مصر, ناصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد