أزعم أنه لم يكن نسيج المجتمع السوداني أكثر قوة وتماسكًا مما كان عليه في اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة منذ أن بدأ عهد نظام البشير، وأزعم أن السودانيين الذين حضروا الاعتصام لم يكونوا يومًا بذلك التعاضد والتكافل الذي كانوا عليه، فاعتصام القيادة العامة كان معجزة حقيقية بكل المقاييس لم يتوقع تجمع المهنيين أو قوى إعلان الحرية والتغيير الذين دعوا له أن يكون بهذا النجاح الباهر، وهذا الحشد الكبير الذي حضر في السادس من أبريل (نيسان).

في رأيي اعتصام القيادة العامة لم يكن مجرد موكب جماهيري يدعو إلى سقوط نظام البشير، بل كان نقطة تحول جذرية لمجتمع أمضى عقودًا من الزمان تحت رحمة نظام عمل على تمزيقه والتفريق بين أهله وتشويه قيمه ومفاهيمه، فهذه بطبيعة الحال هي الوصفة المفضلة عند كل مستبد يتوق لعمر مديد في السلطة.

كان لي عظيم الشرف أن أقضي أيامًا معدودات في الاعتصام، تطوعت فيها في خدمة السقاية، ولم أكن أتصور أنني قادر على أداء المهمة لساعات طويلة لا أحس بأي إرهاق أو تعب أو حتى وهن في قدمي التي كنت أقف عليها كل هذا الوقت، ولا أحس بملل أو ضيق، المثير للدهشة أنني كنت أعمل مع شباب وشابات لأيام دون أن أعرف اسم أيٍّ منهم.

وعند دخول منطقة الاعتصام، أمر بطبيعة الحال على (شباب المتاريس) الذين أخذوا على عاتقهم مهمة تأمين المعتصمين، وبخلاف ما يحدث للمرء من ضيق بسبب تفتيش السيارة، أو تفتيشه نفسه، كنت أتحمس كثيرًا عندما يطلب مني أحد الشباب وثيقة إثبات هوية، أو تفتيش السيارة، وأتعاون معهم مهما طلبوا مزيدًا تفتيش، أما داخل محيط الاعتصام نفسه فلا أحد بحاجة لأن يكون مع أصدقائه الذين يعرفهم؛ إذ يمكن للواحد أن ينضم لأية جماعة يجدها؛ ليشاركهم في النشاط الذي يقومون به، سواءً كان عملًا تطوعيًا، أو حتى الهتافات الثورية التي تستمر لساعات، في زمن ضيّق فيه نظام مجرم على الشعب السوداني في معيشته، ولقمة عيشه، أزعم أنه لم يكن هناك أحد يراقب إنفاقه من ماله أو من وقته أو من جهده لضمان استمرار هذا الاعتصام، في أيام الاعتصام الأولى كانت هناك نداءات بضرورة توفير المؤونة للمعتصمين، وفي ظرف أيام كانت الأطعمة والمشروبات متواجدة مع اللجان التطوعية تبقى لساعات لا تجد من يطلبها.

هذا فقط ما رأيته بأم عيني وما لم أره كان أعظم، ولم أتحدث عن التحضير لرمضان، ولا أداء صلاة التراويح، ولا صلاة الجمعة، ولا الخطب الجماهيرية، ولا غير ذلك، الكثير من المشاهد التي تدل على أفضل أيام تاريخ السودان الحديث رغم أنف الإعلام القذر الذي عمد إلى تشويه سمعة المعتصمين بطريقة مقززة.

الجريمة التي ارتكبها العسكر صبيحة الثالث من يونيو (حزيران) في محيط القيادة العامة لم تكن فقط مجرد فض الاعتصام، بل كانت إجراء قمعي ضد تلك النقلة النوعية للمجتمع السوداني، والتي سمت بالأخلاق وعمت بها روح التسامح والأخوة بين أناس لو لقوا بعضهم في أية مناسبة أخرى لما اكترث أحدهم للآخر، جريمة سفك فيها العسكر الدماء، واستباحوا فيها المحرمات ومارسوا ما لا يتخيله المرء من فواحش وآثام، امتدت لأبعد من محيط الاعتصام، لتصل إلى كل ربوع السودان، ففي الأيام التي تلت الفض كان أهل السودان المعزولون عن العالم الخارجي بسبب انقطاع خدمة الإنترنت يعيشون حالة الرعب التي عاش فيها أهل دارفور لسنوات، فالكل يمكن أن يسقط رميًا بالرصاص على قارعة الطريق، والكل يمكن أن يتعرض للنهب والسرقة وانتهاك كل الحقوق، سواء في الشارع، أو في البيت.

خلال الأيام التي تلت فض الاعتصام كان العسكر على قدر تجليهم المباشر كمافيا إجرامية لا سقف أخلاقي أو قيمي لها، كان سقوطهم المروع والمتواصل وهم يحاولون تحسين صورتهم أمام الشعب وأمام العالم الذي يتابع الأحداث، ويبررون فض الاعتصام بكلامهم المتهافت عن منطقة (كولومبيا) التي صرّح فيها الصحافي بجريدة (التغيير) بأنه قد حضر إليها هو وزملاؤه، ولم يجد فيها غير رجال الشرطة والقوات النظامية مع تأكيد من الضباط هناك أن المنطقة قد تم السيطرة عليها، وعند مواجهة الكباشي في المؤتمر الصحافي الأسبوع الماضي بهذا قال ببساطة: إن الضباط مخطئون، بل إن هؤلاء ليسوا ضباطًا في القوات النظامية، بل مجموعة من المتفلتين حازوا بطريقة ما على السلاح.

سنأخذ أكذوبة حميدتي والتي تبناها الكباشي التي مفادها أن القوات المسلحة هي الضامن الوحيد للشعب، وأنها هي من توافق عليه الكل، وسنذهب إلى المسوخ التي تتجلى في شكل قوى وأحزاب وشخصيات سياسية متفاوتة في سقوطها ما بين من يدعو للحوار ومن يلوم قوى الحرية والتغيير على ما حدث لنسألهم بحسب تفكيرهم: هل يظن هؤلاء أنه سيكون لهم أي دور في السلطة الاستبدادية التي يعد لها حميدتي العدة، ألم يتعلم هؤلاء مما حدث للبرادعي وصباحي وغيرهم ممن أسكرتهم كراهية الإخوان المسلمين في مصر وأعمتهم عن رؤية نوايا السيسي الحقيقية، الحالة المصرية كان فيها ظهير شعبي وحراك جماهيري ضد نظام الإخوان لتكون مهمة عسكر مصر الذي يقوده السيسي أسهل بكثير من مهمة عسكر السودان الذي يقوده حميدتي والذي لا يملك سوى ولاء رجاله من الجنجويد الذين يشكلون وحدة الدعم السريع، الساسة في مصر كانوا يكرهون نظام الإخوان، بينما هؤلاء لا يكرهون سوى كونهم صفرًا على الشمال عند الشعب الذي بدلًا عن أن يشغلوا أنفسهم بالتواصل معه ومشاركته في صياغة رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد البشير ذهبوا ليتمسحوا بالعسكر فلا يعافون حتى حالة العبودية والخضوع لحذاء كل مستبد ولو كانت مؤسسة عسكرية يزعم احد منتسبيها أنها مؤسسة متماسكة وقوية، وهو في ذات الوقت لا يمانع من أن يتنكر لبعض منتسبيها ويقول إنه لا ينتمي إلى هذه المؤسسة، وأنه يكذب فقط حتى يحصل على صك براءة من جريمة يعلم ونعلم أنه ارتكبها وباعترافه.

السياسي الذي لا يؤمن بأن وجود العسكر في المشهد السياسي يعني سفك الدماء هو مثل الطبيب الذي لا يؤمن بضرورة فحص المريض لكشف نوع ودرجة مرضه لتحديد العلاج المناسب، بل هذا في رأيي ينسف مقومات استحقاق وصف (السياسي) من الأساس، فكيف بمن يقولون إن هذه البلاد لا ينفع معها سوى الحكم العسكري، هذه الشريحة من الناس ورثت للأسف نوعًا من التطبيع المنهجي مع فكرة الحكم العسكري، والتي كانت واقع المشهد السياسي في السودان منذ ما بعد الاستقلال عام 1956 ليكون كل تحليل للمشهد عندهم يقوم على أساس أن العسكر هم الأصل.

أزداد قناعة مع مرور الوقت أن بعض هؤلاء ليسوا مجرد متحدثين عن ضرورة الحكم العسكري أو مروجين لحميدتي، بل هم كانوا ممن حرض على المعتصمين، وكان يزين هذا الباطل له وينشر هذا البهتان بين القواعد السياسية وربما العسكرية، لم أتوصل لهذا من حديث الأستاذ عثمان ميرغني على شاشة الجزيرة، أو خطابات أو انسحاب الدكتور محمد علي الجزولي من تيار نصرة الشريعة ومراجعاته الفكرية، بل توصلت إليها؛ لأنه وكما يقولون (هي عادتنا التي لا تتغير) فكل الانقلابات التي حدثت كانت بتأييد وبإيعاز من إحدى القوى السياسية.

قوى الحرية والتغيير اتفقت على التصعيد الثوري ضد العسكر وإقامة المتاريس والدخول في عصيان مدني شامل حتى يسقط النظام، وبعد أيام قررت أنه ما زال الوقت مبكرًا على العصيان المدني، ولذلك تم تعليقه بشكل مؤقت، والمشكلة ليست في إعلان العصيان المدني أو تعليقه، المشكلة الحقيقية هي في الإقدام على خطوة كهذه دون حساب أي عواقب والمقدرة على التعامل مع ما ينتج عن ذلك، كما أن التحالف ما زال يعاني من تشقق الصف داخله وبين كتله السياسية، وهو على الرغم مما حدث كان من المفترض أن يرسخ لقطبية المعركة القادمة بين العسكر وبين المدنيين، وليس بين توجهات أيديولوجية أو حتى عرقية.

وحتى الآن تبدو حركة المعارضة بطيئة جدًا وبلا فعالية تذكر بعد أن فقدت الزخم الثوري المطلوب في هذه المرحلة، بالنسبة للمجلس العسكري ولو أنه أفضل حالًا من المعارضة إلا أن الخلافات بين أعضائه باتت واضحة للملأ وهم ما زالوا بعيدين عن قواعدهم العسكرية التي لا تحمل لهم الولاء الذي يحمله منتسبو قوات الدعم السريع لحميدتي الذي بات من الواضح أن طموحه متعد للمكانة التي يشغلها حاليًا في المجلس العسكري، بل لكل المجلس العسكري.

السودان على وشك الدخول إلى نفق مظلم والسبب ليس حميدتي فقط حتى مع كونه هو الذي تلطخت يداه بدماء الشرفاء من الشباب الثوري، بل هناك المنتفعون والذين يعرضون ذممهم لمن يدفع أكثر بعد أن سقط الذي كان يتعامل معهم ومن تبعهم من عميت قلوبهم وبصائرهم، هؤلاء هم من يشجعون طموح حميدتي ويدفعونه للوصول للسلطة يقدمون له الأفكار والتوجيهات وحتى الخطابات التي لولاها لما سمعناه يومًا يتحدث عن حكومة تكنوقراط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد