في مصر ـ كما في بلاد الدنيا ـ وظيفة الجيش الكبرى هي حماية الأوطان، والدفاع عنها في حال تعرضها للخطر، ووظيفة السياسيون هي إدارة البلاد، وحكمها؛ إذا اختارتهم الأمة في انتخابات حرة نزيهة، أو البقاء في المعارضة؛ لرقابة ومحاسبة من يكون في سدة الحكم.

وبالطبع حين يكون العسكر في مكانهم الطبيعي، وهو قيادة الجيوش، فإنهم يحققون نجاحات كبيرة، فالحرب ميدانهم، والدفاع عن البلاد وظيفتهم، ولذا فهم غالبًا لا يقبلون الحلول الوسط في دفاعهم عن بلادهم، كما لا يقبلون الجدل، ولا المعارضة، بل كل همهم السمع والطاعة لأوامرهم بلا مناقشة، ففي حالة الحرب لا يملك المرؤوس ترف مناقشة رئيسه؛ لأن التأخير في اتخاذ القرار معناه الهزيمة أو تفوق العدو؛ و لذا ينطبع القادة العسكريون بطباع ربما تظل لصيقة بهم، حتى في حياتهم الخاصة: فكثير منهم بعد ترك الحياة العسكرية يظل متمسكًا بالطاعة له، بالرغم من تركه الحياة العسكرية.

أما السياسي فهو يسعى إلى نيل رضا المواطنين «الناخبين»؛ لأن أصواتهم هي التي تحمله إلى سدة الحكم، كما لا يميل السياسي غالبًا إلى التشدد، ويقبل كثيرًا الحلول الوسط، والتفاوض للوصول إلى فضل الممكن، وأحيانًا التنازل؛ لنيل رضا المعارضة.

وبالطبع، العسكري المتمرس بارع في عمله العسكري، كالسياسي البارع، يحافظ على كل الخيوط في يده، دون أن يقطع خيطًا واحدًا.

وحين يتدخل السياسي في عمل العسكري تكون الهزيمة ولا شك، ونفس الأمر حين يحكم العسكري مكان السياسي، فلا ينتظر منه سوى الفشل في كل المجالات.

و السعيد من وعظ بغيره، فما بالنا بمن لم يتعظ حتى من تجاربه السابقة!

حين استولى العسكر على حكم مصر سنة 1952، وظن الكثير من المصريين أن الحزم العسكري في حكم مصر سينقلها إلى مصاف الدول الكبرى، ولكن مرت السنوات والعقود، و إذا بالدول التي كانت مصر سنة 52 تنظر إليها على أنها دول متخلفة تسبق مصر في الصناعة و التجارة، وفي التعليم، والصحة بعد أن كانت تلك الدول ترسل أبناءها لمصر؛ كي يتعلموا فيها، حتى الدول العربية االتي كانت مصر ترسل المدرسين لتعليمهم، سبقونا في التعليم وتخلفنا.

ثم كانت الطامة الكبرى لانشغال الجيش بالسياسة في تلك الهزيمة الكبرى التي لحقت بمصر والعرب سنة 67، وضياع سيناء وغزة والضفة والجولان.

وتعلم الجيش بعد الهزيمة؛ فابتعد عن السياسة، وأصبح جيشًا متحرفًا للقتال؛ فصمد في حرب الاستنزاف 69، ثم كان النصر في أكتوبر 73.

ولكن، وبالرغم من النصر الكبير في حرب أكتوبر، إلا أن تدخل السياسيين في مسار الحرب أضاع الكثير من مكاسب النصر، وكان تدخل القيادة السياسية في مسار العمليات سببًا لالتقاط إسرائيل أنفاسها، واستطاع جيشهم اختراق القوات المصرية في منطقة صغيرة عرفت بالثغرة.

ولذا، فحين ننادي بسقوط حكم العسكر، فذلك لا يعني على الإطلاق التقليل من قدر جيشنا العظيم ولا حبنا له، بل ربما كان ذلك دليلًا على حبنا لجيشنا ورغبتنا في أن يكون مستعدًا قتاليًا دائمًا للدفاع عن بلادنا.

وفي نفس الوقت، فإن تدخل السياسيين في أمور الجيش تؤدي إلى ضعف الجيش، واستخدامه في حل المنازعات بين الخصوم السياسيين.

في النهاية، العسكريون يبدعون على الجبهة، والسياسيون يبدعون في إدارة دفة الحكم، ولا ينبغي أبدًا تبادل الأدوار بينهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد