ينقسم تاريخ مصر الحديث منذ انقلاب 1952 وحتى يومنا هذا إلى ثلاث مراحل أساسية تؤرخ لسيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم.

وينبغي علينا تعريف معنى كلمة انقلاب لكي يتسق المقال مع المعنى. الانقلاب هو قيام مجموعة من القوات المسلحة بإزاحة مفاجئة للحكومة ونظام الحكم وتنصيب سلطة جديدة بدلا منها سواء كانت عسكرية أو مدنية.

  1. الجمهورية الأولى ( 23 يوليو 1952 – 15 أبريل 1975): منذ قيام حركة الظباط الأحرار بإنهاء الحكم الملكي في مصر وتولى السلطة اللواء محمد نجيب. ولعل حتى اليوم يتم تسميه انقلاب 1952 من قبل الأغلبية باسم ثورة يوليو معتبرين أن الجيش قام بالثورة ضد الملكن ولكن طبقا للتعريف السابق فهي انقلاب عسكري.
  2. الجمهورية الثانية ( 15 أبريل 1975 – 11 فبراير 2011) :عقب إعلان السادات عن اختيار مبارك نائبًا للرئيس واختيار قادة حرب أكتوبر لتولي قيادة البلاد بدلا من باقي رفاقه من جيل انقلاب 1952.
  3. الجمهورية الثالثة ( 3 يوليو 2013 – حتى الآن): بعد انقلاب 3 يوليو 2013 تولى عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية منصب رئيس الجمهورية إلا أن قيادة المؤسسة العسكرية وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي كان الرئيس الفعلي وتستمر هذه المرحلة حتى الآن.

بعد انقلاب يوليو 1952 بدء ظهور الاختلافات بين جبهة محمد نجيب ويوسف صديق، التي تبنت رجوع الجيش إلى الثكنات وعودة الحياة النيابية إلى مصر، وبين جبهة عبد الناصر التي رأت أن قيادة الانقلاب وهو على وجه الخصوص الأولى بقيادة البلاد.

انتهى هذا الصراع بعزل محمد نجيب في نوفمبر 1954 ووضعه تحت الإقامة الجبرية. تولى عبد الناصر الحكم رسميا واختار عبد الحكيم عامر نائبا للقائد الأعلى للقوات المسلحة وقائدا عاما للقوات المسلحة، الذي ترقى إلى رتبة مشير عام 1958 وظل في منصبه حتى نكسة 1967.

خلال هذه الفترة سيطرت المؤسسة العسكرية والظباط على مقاليد الحياة في مصر على كافة المجالات الاقتصادية والزراعية والصناعية.

وبعد وفاة جمال عبد الناصر استمر جيل انقلاب 52 في الحكم بقيادة السادات حتى حرب أكتوبر 73. حيث تضخم غرور السادات وبدأ في التفكير في نقل القيادة من بعده إلى جيل 73 متمثلا في مبارك بعد تعينه نائبًا لرئيس الجمهورية في 15 أبريل 1975. ومن أبرز محطات هذه الفترة مقتل الفريق أحمد بدوي الغامضة في عصر السادات وتولِّي أبوغزالة قيادة الجيش. ويعتبر أبو غزالة هو المؤسس الفعلي للمؤسسة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية التي توغلت وانتشرت في جميع مجالات الحياة في يومنا هذا.  وبعد عزل أبو غزالة من الجيش وتولي طنطاوي منصب وزير الدفاع اعتبرت هذه الفترة مرحلة هادئة لحكم مبارك وانفراده بالسلطة.

استمرت الجمهورية الثانية للجيش حتى ثورة 25 يناير 2011 التي أرادت قيادات المؤسسة العسكرية استغلالها للانقلاب على مبارك وقطع الطريق على توريث جمال الحكم. وقد قام الإعلام المصري بجس نبض الشارع لمحاولة ترشيح طنطاوي للحكم وظهر ذلك في عرض فيديو لطنطاوي سائرا في القاهرة بدون حراسة ومرتديا بدلة مدنية. وفشلت هذه المرحلة في تصعيد أي قيادة للحكم.

وجاء الإخوان المسلمون للحكم بعد أن تفاهمت مع قيادات المؤسسة العسكرية بعيدا عن الثورة وشركاء الثورة. ودافعت قيادات الإخوان عن الشرطة في تجوزات لها في أحداث محمد محمود حيث صرح محمد سعد الكتاتني، رئيس مجلس الشعب: «لقد أخطرني الآن وزير الداخلية أنه لم يطلق الخرطوش على المتظاهرين». وتنتهي فترة طنطاوي في قيادة المؤسسة العسكرية مع تصعيده لجيل جديد لقيادة المؤسسة العسكرية متمثلا في عبد الفتاح السيسي. وظهرت الكثير من الشائعات التي خدعت الكثير من الناس بترديد أنه من الإخوان أو متعاطف معهم. وعلى الطرف الآخر أرادت القوى المدنية تدخل المؤسسة العسكرية لطرد الإخوان من الحكم. واستغلت قيادات المؤسسة العسكرية الفرصة لترغيب كل الطرفين حتى 3 يوليو 2013 والانقلاب على محمد مرسي أول رئيس مدني في تاريخ مصر.

بدأت الجمهورية الثالثة عقب انقلاب يوليو 2013 متخذة هدف إنقاذ البلد من حكم الإخوان. وتم تولي شخصية مدنية الحكم وهي رئيس المحكمة الدستورية العليا حتى لا يتم وصفها بالانقلاب العسكري. بدأت تتشكل ملامح الفترة الحالية وظهر واضحا رغبة الفريق الأول السيسي في القيادة والظهور في دور البطولة وقام بترقية نفسه لرتبة مشير بدون خوض أي معركة حربية واحدة طوال حياته ( كمل فعل عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر) وظهور الدعاية على أنه عبد الناصر هذا العصر.

تم استغلال وترغيب جبهه الانقاذ والأحزاب الليبرالية للمشاركة في الحكم بعد الانقلاب لفتره من الوقت. ومن سخرية القدر أن حسام عيسي وزير التعليم العالي  أدي نفس دور سعد الكتاتني عقب أحداث جامعة القاهرة ومقتل أحد طلابها وقال«الشرطة مضربتش خرطوش.. بس كان معاها رصاص مطاطي بيلسع».

ومن سخرية القدر أن عبد الناصر ابن البوسطجي الذي تربى في العصر الملكي كان خطيبا مثقفا وقادرا على التحدث باللغة الإنجليزية ومحبا للقراءة على عكس السيسي الذي تربى في عهد انقلاب 52. وافتقر إلى القراءة والثقافة وعدم المقدرة على التحدث باللغة الإنجليزية أو العربية.

وتستمر سخرية القدر فعبد الناصر 52 جعل صديقه عبد الحكيم عامر مسئولًا عن الجيش وحدثت نكسة 67.

وفي هذا العصر قام السيسي بتعيين طارق عامر ابن شقيق عبد الحكيم عامر رئيسًا للبنك المركزي وحدثت في عهده النكسة الاقتصادية الحالية وانهيار الجنيه المصري. وكأن القدر جعل عائلة عامر مسئولة عن نكسات مصر العسكرية والاقتصادية.

ويستمر توغل المؤسسة العسكرية في جميع المشروعات الاقتصادية من رصف الطرق ومدارس دولية وقرى سياحية ومصانع غذائية والاستيلاء على الأراضي في المناطق المميزة بالمدن الجديدة. وتعتبر قيادات المؤسسة العسكرية اقتصادها خطًا أحمر ومنفصلًا عن اقتصاد الجمهورية. ولا توجد أي رقابة على المشاريع أو اقتصاد القوات المسلحة من أي جهة رقابية مدنية. ويشكل هذا الوضع الحالي علامة فاصلة في تاريخ مصر وتكرارًا لمرحلة سابقة لنكسة يونيو 1967.

يقول السادات في كتابه البحث عن الذات «في سنة 1965 كانت حالة البلاد سيئة. أصبح كل شيء في البلد يعهد إلى القوات المسلحة أو البوليس الحربي, النقل العام مثلا في حالة سيئة فيتبع القوات المسلحة لإصلاحة, الثروة السمكية تشرف عليها القوات المسلحة».

ولعل اليوم هو أشبه بالبارحة ونرجو من الله ألا نصل لنكسة جديدة. فهذا هو ملخص بسيط  إلى ما وصلنا إليه على مدى ثلاث جمهوريات مختلفة من الحكم العسكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد