تسوية سياسية بين الداخل المصري

انتشرت ثلاثة أخبار مهمة في شهر نوفمبر تتعلق بأحكام قضائية مثل تأييد النقض إخلاء سبيل السيدين جمال وعلاء مبارك في قضية القصور الرئاسية، وإلغاء محكمة النقض حكمًا سابقًا بإعدام الرئيس السابق محمد مرسي في قضية السجون، وفي اليوم التالي لهذين الحكمين حكمت المحكمة برفع اسم الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي في انتخابات 2012 رئيس وزراء مصر الأسبق.

 

طبيعة التقارب الوقتي في تلك الأحكام

القضاة يعيشون بيننا ويتأثرون من المناخ العام، فإذا انتشر مناخ معين من التقبل للمصالحة السياسية الشاملة والتسامح، فإنه ينتقل للسادة القضاة، ويتفاعلوا به في عملهم، كما أن القضاة يتأثرون ببعضهم البعض كأي زملاء، فإذا سادت الرأفة في أحكام ما، انتقل المناخ الرحيم إلى باقي الأحكام والقاعات، فهذا التقارب الوقتي في الأحكام لا يقلل من استقلالية القضاء.

 

علاقة مؤتمر الشباب

مؤتمر الشباب طرحت فيه فكرة المصالحة الوطنية، وتجاوب معها الرئيس عبد الفتاح السيسي بإيجابية، وقال إنه كشخصه وكمركزه لا يرفض فكرة المصالحة الوطنية، لكنه قال هذا ليس قرار فردي بل قرار دولة بالكامل. أي أن مؤتمر الشباب حفز تلك المصالحة.

 

العفو الرئاسي عن الشباب

اتساع نطاق العفو الرئاسي ليشمل قضايا النشر والتظاهر يدل على نية واضحة في التصالح مع المعارضين، ولكي أتكلم معكم بصراحة لا أتوقع أن يفرج عن السيدين أحمد دومه وعلاء عبد الفتاح في أول دفعة من العفو الرئاسي، سيتم اختبار أولًا قيادات الصف الثاني من 6 أبريل، ومن الإخوان ليتم جس النبض، فإن بدت معارضتهم إيجابية سيتم العفو عن بعض قيادات بعد ذلك من الصف الأول للحركة وللجماعة.

مصالحة عامة

صانع القرار المصري يدرك أن المصالحة ليست مع الإخوان فقط، بل بين أطياف الشعب المصري التي حدث شقاق بينهم نتيجة بداية التعرف على أفكار بعضهم البعض لأول مرة بعد ثورة 25 يناير.
البرلمانات تكون شعبوية أكثر بطبيعة الحال فتوجه أغلب أعضاء النواب للتحفظ على المصالحة هو أمر طبيعي؛ لأن طبيعة مجلس النواب تختلف عن طبيعة الرئاسة؛ فيكون الرئيس أكثر دبلوماسية وتقبلًا، بينما يغلب على أعضاء النواب الطابع المحافظ.

 

لماذا تأخرت المصالحة؟

تأخرت المصالحة بسبب انشغال صناع القرار المصري بالأمور الاقتصادية من تعويم الجنيه، وتحرير سعر الصرف، ومما يؤكد كلامي هو شخصية رئيس الوزراء الحالي الاقتصادية بامتياز، وسوف تتأخر المصالحة قليلًا ربما تكون في أواخر2017، أو أوائل 2018 لكنها قادمة لا محالة، فالبلد لن تعيش منقسمة للنهاية فيجب للخطوط أن تتوحد، وللجهود أن ترشد، أي أنها تأخرت لأن الدولة اختارت الاهتمام بالاقتصاد أولًا، ربما لأنه أحوج للاهتمام، وربما لأن الأجواء لكي تتهيأ للمصالحة تحتاج وقت فاستفادوا من هذا الوقت في تدعيم الاقتصاد، وما زالت القرارات الاقتصادية من قوانين للسياحة والاستثمار لم تشرع بعد.

طريق أصعب وأصوب

مصر اختارت بعد ثورة 25 يناير أن تكون مستقلة في قرارها عن الدول الخارجية عربية كانت أو غربية، ففي 2015 عرض وزير الخارجية القطري على مصر أن تساعد دبلوماسية قطر مصر في المصالحة مع الإخوان، وكان رد مصر متحفظًا على تلك المبادرة، وقال بعدها الوزير القطري إن الإخوان شأن داخلي مصري، إذن مصر اختارت طريق أصعب وهو الاعتماد على نفسها في المصالحة الوطنية بينها وبين بعضها، لكنها ترى أنه طريق أصوب.

قرار بإرادة مصرية

أكثر شيء ثبتته تلك الرغبة في المصالحة الوطنية، وخصوصًا بعد فوز الرئيس دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية، أن قرار المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين هو بإرادة مصرية خالصة، وإلا لما كان اشتمل بيان 3 يوليو على بند المصالحة الوطنية الشاملة، وتأكيد قارئ هذا البيان أنه لم يستشر أي أحد من خارج مصر قبل إصدار البيان، أي أن القرار بالمصالحة مصري بامتياز، ولهذا استمرت احتمالاته حتى بعد نتائج الانتخابات الأمريكية.

إصلاحات على خطى السادات

قام الرئيس محمد حسني مبارك بإصلاحات في الحقوق والحريات في النصف الثاني فترة حكمه، نتج عنها ظهور صحف خاصة مثل المصري اليوم، والشروق، واليوم السابع، وهي إصلاحات محدودة إذا قورنت بتأثير 25 يناير، وقبله قام الرئيس محمد أنور السادات بإصلاحات شملت الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، وأعتقد أن نية الرئيس عبد الفتاح السيسي الترشح لفترة ثانية لمح بذلك في المؤتمر الرئاسي هي ما دفعته للقيام بتلك الإصلاحات، فالناس لكي يعوض عليهم في القرارات الاقتصادية الصعبة يلزمهم قرارات سياسية اجتماعية تشفي صدورهم.

التوازن المطلوب

رجوع الفريق أحمد شفيق من الإمارات وإمساكه بزمام حزبه السياسي سيثقل كفة اليمين، أي كفة المؤيدين للنظام، لذا فإن رجوع الإسلاميين للحياة السياسية وعلى رأسهم حزب الحرية والعدالة، وحزب الوسط، وحزب البناء والتنمية، وحزب الأصالة، وحزب الإصلاح، وغيرها من الأحزاب، سيحقق التوازن السياسي في المجتمع المصري. صحيح أنهم لن يعودوا كلهم في هذا العقد، لكن سيعودون للحياة السياسية وتجربة وجودهم في تركيا ستكون قد علمتهم أن علمانية الدولة وليس علمانية الأفراد هي ما يؤمن به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ويريد إيصالها لهم ليعمروا بها مجتمعهم.

الفن يلعب دورًا

 
قيام الفنان حمزة نمرة في ألبومه بأغنيتين عن حال مصر هما «اسمعني» و«أقولك ايه» لعبتا دورًا كبيرًا في تقريب وجهات النظر، وفتح قنوات الحوار مستقبلًا

الإعلام يهيأ الأجواء.

تأييد الإعلامية لميس الحديدي للمصالحة الوطنية حيث قالت في برنامج «هنا العاصمة» على فضائية cbc: «يجب أن نصالح بعضنا وأن نتوقف عن تخوين بعض.. يكفي هذا.. لازم نتعلم الاختلاف وأن يجمعنا الوطن.. لا نخون أحد ولا نعتبر أحدًا عميلًا».

الجيش يؤيد المصالح

تلميح وزير الدفاع والإنتاج الفريق أول صدقي صبحي في مناسبة 6 أكتوبر بقبوله المصالحة الوطنية، يضيف إليها قوة ناعمة، وهي قوة الجيش؛ فالرئيس السيسي لن يمانع أن يتدخل الجيش الذي هو منه في عملية المصالحة إن تعثرت الطرق الأخرى، فالجيش له مكانه خاصة في نفوس المصريين داخل مصر وخارجها، وتلمح الصحف إلى تدخل جهة سيادية غير معلوم اسمها في تبسيط قضية المصالحة، ربما تكون تلك الجهة هي الجيش، وتلميح الرئيس السيسي بتأييده للتسامح في أكثر من مرة يؤكد نيته في التصالح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد