لقد أحرجت مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) الحكومة القابعة في المنطقة الخضراء أيما حرج وهي تدخل شهرها الثالث، وتحقق الانتصارات تلو الانتصارات.

فأول منجز حققتهُ تلك المظاهرات كان استقالة الحكومة برئاسة السيد عادل عبد المهدي، ثم إقرار قانون الانتخابات، مع تغيير مفوضيتها. وباتت تلك المظاهرات قوة لا يستهان بها، ليس من قبل تلك الحكومة، وليس من قبل مليشياتها التي تقتل العراقيين بدم بارد. وليس لها من همّ إلا تحقيق الإرادة الإيرانية، هذه المليشيات التي أحاطت نفسها بهالةٍ من القدسية من خلال التنفيس عن عقدة الظلم التي يعاني منها عامة الشيعة حتى وإن لم تكن تلك العقدة ليس لها وجهٌ من الحقيقة، ومن خلال ربطها بالمرجعية التي تتبادل الأدوار مع تلك الحكومة ومع تلك الأحزاب والمليشيات، إلا أن هذه الهالة والقدسية التي أحاطت بها الحكومة نفسها بدأ ينكشف ظلمها وظلاميتها يومًا بعد يوم، فخرج المتظاهرون في نوفمبر يطالبون بدولة مدنية، وإسقاط تلك الدولة بما حوتهُ من قدسية وظلامية في آن واحد.

فلم تدخر تلك الحكومة بأحزابها ومليشياتها أية وسيلةٍ من وسائل البطش ووسائل المكر والختل، إلا وقد استخدمتها مع المتظاهرين السلميين، ولكنها لم تفلح، ذلك أن خيانة هذه الحكومة لشعبها واتخاذها من خيراته مغنمًا لها ولأحزابها التي لم يكن ولاؤها يومًا للعراق، بل للجارة إيران، أصبحت ظاهرةً لا تخفى عن العيان، واليوم فإن هذه الحكومة لا تكاد تتخلص من أزمة إلا وتقع في أزمة أنكى وأشد من التي سبقتها؛ فقد انكشف المستور وبان المحذور، فقد هبَّ هؤلاء الذين غُرّرَ بهم لأكثر من 16 عامًا باسم الدين، وباسم الدفاع عن المقدسات، بعدما اكتشفوا حقيقة هذه الأحزاب، وهذه المليشيات، وأمسوا يطالبون باستعادة الوطن الذي جعلته تلك المليشات ضيعة تابعة لإيران بخيراته، بعد أن استعبدت مواطنيه، ولكن هذه الأحزاب ليست على استعداد أبدًا أن تتخلى عن مكتسباتها من مال وجاه وسلطان، فأما المال فلم يعد يخفي الثراء الفاحش لهذه الأحزاب، ولا السلطان الذي تتمتع به تلك الأحزاب، إذ إن سلطانها يعلو على سلطان الحكومة نفسها؛ كيف لا ورئيس الجمهورية نفسه أمسى وهو لا يكاد يلملم أغراضه وهو ينوي المسير هروبًا من قصره المنيف في بغداد إلى بيته الآمن في السليمانية. خوفًا من بطش تلك الميليشيات، ولا يخفى على أصغر عراقي أن أصغر منتسب في تلك المليشيات التابعة لإيران قادر على أن يشكل خطرًا على رئيس الحكومة نفسه.

إن هذه المظاهرات الأخيرة – مظاهرات تشرين – شكلت على هذه الأحزاب وعلى إيران، وعلى كل الطائفيين كابوسًا مزعجًا، ومرعبًا، وكلما حاولت تلك الأحزاب التخلص منهُ بشتى الاستيقاظات لا تلبث أن تجد نفسها في كابوس أكثر منه إزعاجًا وأكبر منه رعبًا، إذ إن هذه المظاهرات تنادي تلك الأحزاب بالويل والثبور، وعظائم الأمور. أهونها زوال ذلك الملك وذلك السلطان، وأيسرها التعليق على أعواد المشانق، والتشريد في البلاد والآفاق.

ولما فشلت كل تلك المحاولات في إجهاض تلك المظاهرات، أوحى لها شيطانها القابع في إيران بأن تتحرش بإحدى القواعد الأمريكية المنتشره في العراق، ومن ثم تقود تلك القوات للرد عليها، ثم يؤول الأمر إلى ما يجري اليوم، حيث تقوم تلك الأحزاب باقتحام السفارة الأمريكية الشديدة التحصين في بغداد.

وهذه المسرحية المخرجة إيرانيًا، وعلى غرار الأفلام الهندية، بإمكانها أن تُشغل العراقيين عن تلك المظاهرات في ساحة التحرير، وغيرها من المحافظات، بضعة أيام، أو ربما تحّول وتَحْرِفْ مسار تلك المظاهرات بفعلٍ داخلي أو خارجي، ولكن الطامة التي لحقت تلك الأحزاب أن هؤلاء الشباب الذين لم يتجاوزا العشرين  قد بلغوا من الوعي وكأنهم بلغوا الستين، فأعلنوا منذ بداية اقتحام تلك الأحزاب السفارة الأمريكية أنهم بريئون من عبث تلك الأحزاب في اقتحامهم للسفارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد