من منا لا تستهويه فكرة التجول عبر العالم كله، وتأمل بحاره وشطآنه، صحاريه وجباله، غاباته وبساتينه، مدنه وقراه؟ من منا لا يتمنى أن يخرج من كهفه الإسمنتي؛ فيتحول إلى طائر مهاجر يجوب آفاق العالم؟ من منا لم يتمن في صغره أن يصبح مثل السندباد، أو أن يمتلك «بساط علاء الدين»؛ فيجتاز به حواجز الجغرافيا كيفما شاء؟

إن السفر هو متعة لا تدانيها متعة، ومدرسة لا تتفوق عليها أية مدرسة أخرى في هذا العالم؛ لما تحققه لصاحبها من صحو نفسي وانشراح، وتفتح أمامه من آفاق معرفية، وتمده بخبرات حياتية متنوعة، وتتيح له إقامة علاقات اجتماعية مفيدة وغنية بالخيرات.

ويبقى تأمل المناظر الطبيعية والعمرانية هو أحد أهم متع السفر، فعالمنا الجميل هذا يحظى بتنوع هائل ومذهل في آن معًا، بحيث لا تخلو منطقة في العالم من نكهة جمالية تميزها عن غيرها، ففي حين يأسرك البحر باتساعه، وهدير أمواجه، وانعكاس أشعة الشمس على سطحه، تثير فيك الغابات مشاعر مختلفة تغلفها نشوة اللون الأخضر، وتبهرك الصحاري باتساعها ورمالها الذهبية وغموضها، بينما يخلب لبك شموخ ناطحات السحاب وبساطة الأكواخ الخشبية في آن معًا.

غير أن أغلب البشر لا تتاح لهم فرصة التجول عبر العالم؛ وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة وظائفهم التي لا تتضمن سفرًا متواصلًا، وبالتزاماتهم العائلية الكثيرة، وبما يحتاجه السفر من تكاليف مادية مرتفعة، وحتى أولئك الذين يقومون بأسفار كثيرة على مدار العام، كالدبلوماسيين والمضيفين الجويين ورجال الأعمال، يجدون أنفسهم، على الأغلب، محرومين من فرصة التجول عبر العالم؛ لأن سفرهم يكون في أغلب الأحوال على خطوط جوية محددة، أضف إلى ذلك أن ارتباط السفر بالعمل عادة ما يجعل منه أقل متعة، ويحوله إلى «قطعة من العذاب»، وفق ما يروي الحديث الشريف، بحيث يفضل المرء أن يبقى حبيس بيته أو مكتبه، على أن تطوف به طائرات «الإيرباص» أو «البوينغ» من قارة إلى أخرى.

إن الثورة التقنية والمعلوماتية التي نعيش الآن في كنفها قد وفرت لنا الكثير من المتع والخدمات، بأسهل الطرق وأقلها تكلفة، بحيث أصبح بإمكاننا، بفضل شبكة الإنترنت والكتب الرقمية والوسائط المتعددة…إلخ، أن نفعل الكثير من الأشياء المفيدة والممتعة، ونحن نحتسي القهوة على أريكة مريحة، أو نستمتع بتذوق ثمار الكستناء قرب المدفأة، ومن بين هذه الأشياء التجول «افتراضيًا» عبر العالم؛ من قارة لأخرى، ومن بلد لآخر، عبر البحار والصحارى، ومن خلال مجاري الأنهار والطرق السريعة، وداخل المدن، وبين أكواخ القرى.

ولكن: كيف؟

كلنا يعرف برنامج «جوجل إيرث» (Google earth)، غير أن القليل منا يحسن استخدامه، أو يستغله كما يجب، في تحصيل المتعة والمعرفة اللتين يقدمهما له، وإنني أعرف العديد من الأشخاص الذين لم يتجاوز استخدامهم لها محاولة رؤية كيف يبدو منزله أو مكان عمله أو بستانه من فوق! أو تحديد موقع شارع أو مبنى أو قطعة أرض!

ربما كان لقلة الفضول وعدم الاكتراث باكتساب المعرفة الدور الكبير في عزوف الناس عن الاستغلال الأمثل لجوجل إيرث، كما تلعب قلة الوقت دورًا في ذلك، ففي ظل متطلبات الحياة وتعقيداتها أصبح المرء بالكاد يجد الوقت الكافي لمتابعة أهم الأخبار السياسية أو تصفح حسابه على «فيسبوك».

صحيح أن متعة رؤية المنظر الطبيعي أو العمراني عن كثب، والتفاعل معه بكل الحواس، هو أكثر متعة وفائدة بكثير من تأمل هذا المنظر عن بعد في العالم الافتراضي، وصحيح أيضًا أن جوجل إيرث لا يوفر لنا تأمل هذا المنظر من مسافة أفقية قريبة، غير أن القدر من المتعة الذي يوفره هذا البرنامج الرائع، في ظل عدم القدرة على التجول بأجسادنا عبر العالم، يجعل منه أداة بديلة وفعالة بلا ريب.

جرب أن تعد لنفسك فنجالًا من القهوة، وتجلس في مكان ما مريح وهادئ، ثم تقول لنفسك: فلأذهب في جولة عبر العالم في ثمانين دقيقة، تشبهًا برواية «حول العالم في ثمانين يومًا» لجول فيرن.

افتح جهازك الحاسوبي، يفضل أن تكون شاشته كبيرة الحجم، وأن تكون خدمة الإنترنت لديك في أحسن أحوالها، ثم أبحر في العالم عبر جوجل إيرث، نعم أبحر بكل معنى الكلمة، أبحر وكلك لهفة لرؤية العالم كما يراه طائر مهاجر:

ابدأ بمحيط سكنك، تأمله من أعلى، على ارتفاع 33 ألف قدم، وعند هذه النقطة سيتاح لك أن تراه وكأنك تمر من فوقه بطائرة إيرباص في منتصف رحلتها، ثم اهبط شيئًا فشيئًا، حتى تستطيع أن تراه من ارتفاع لا يزيد عن مئات قليلة من الأقدام، وعندئذ سيغدو المشهد أكثر إثارة، وإن كنت ستواجه مشاكل في وضوح الصورة في بعض الأحيان.

ثم تنقل من قارة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر. اذهب إلى القطب الجنوبي، وتأمل سواحله البيضاء، ثم تعمق في داخله؛ لترى مساحات شاسعة من الجليد، وقد تصادفك خلال ذلك محطة أبحاث غربية أو صينية، وبعد ذلك اجتز المحيط باتجاه أمريكا الجنوبية، لا تقفز كثيرًا بالمؤشر، كم هو جميل أن تتخيل نفسك على متن طائرة وتتأمل الدنيا من تحتك، جب أدغال الأمازون، وحاول أن تلاحظ بعض شواهد الاعتداءات البشرية على مساحاتها الخضراء، ثم تنقل عبر جبال الإنديز، وامض شمالًا عبر جزر الكاريبي الجميلة، لتأخذ نفسك بعد ذلك في جولة داخل الإمبراطورية الأمريكية، من نيويورك، إلى لاس فيغاس، إلى ديترويت، إلى وادي الموت، ولا تنس أن ترى كيف يبدو تمثال الحرية وناطحات السحاب من أعلى، وأن تتأمل شلالات نياغارا، قبل أن تجتاز كندا شمالًا، وتقوم بجولة سريعة فوق المحيط المتجمد الشمالي.

ثم انتقل جنوبًا بشرق إلى أوروبا، حيث ستجد الكثير من الأماكن التي تستحق الزيارة، بدءً من غابة بيالويزا وقصر الكرملين، ومرورًا بضفاف الراين وجبال الألب وبرج إيفل وريف لندن، وانتهاء بقصر الحمراء والبندقية وهضبة الأكروبوليس.

ومن أوروبا إلى إفريقيا تزداد الرحلة إثارة ومتعة، حيث النيل والأهرامات، وسهوب السافانا ورمال الصحراء الكبرى، وأدغال ساحل العاج والكونغو، وجبل كليمنجارو.

ومع الانتقال إلى آسيا تزداد الرحلة تألقًا، حيث تستطيع أن ترى بحار الرمل في الربع الخالي، وغابات النخيل على ضفاف دجلة، وقمم الهيميلايا، وسهول سيبيريا، وأدغال سومطرة، وسور الصين، وتلك الفوهة الغريبة المعروفة باسم فوهة نهاية العالم.

غير أن أهم وأروع ما يمكنك أن تراه يتمثل في مكة المكرمة والمدينة المنورة والحرم القدسي الشريف.

وختامًا: ألا تذكرنا قدرة جوجل إيرث على أن يزوي لنا الأرض، في العالم الافتراضي، فنرى قاراتها وبحارها، بالحديث النبوي الشريف الصحيح «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها…»، فسبحان الله وبحمده، عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القهوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد