“أنا! ولماذا تعتقلونني أنا؟”، هذا هو السؤال الذي ينساب بجنون كزلزال يكاد يسحق ضحية عملية الاعتقال السياسي منذ أن يسمع صوت الأجراس وطرق الباب وأحذية الجنود المغاوير ليتوج رعب ذاك المشهد بصرختهم: “أنت معتقل”.

 

(الاعتقال، ماذا يسعنا القول عنه؟ ما هو إلا تحطيم لحيواتنا كاملة، شرارة تصعقك، وصدمة تأتيك من الماضي، تشدك إليه للأبد، دون أن يتحرك للأمام مرة واحدة). بهذه الكلمات حاول ألكسندر سولينجستين في عمله الروائي: “أرخبيل الجولاج”، الاقتراب مما يعتلج داخل عقول ونفوس هؤلاء الذين بدؤوا للتو رحلتهم مجهولة النهاية داخل المعتقل، عدا أن ألكسندر نفسه حكم لاحقا على تلك المحاولة بعدم النجاح: (كل ما ورد من الألفاظ التقليدية في سردنا، وكل ما تضمنه من الأدبيات والخواطر حول الاعتقال لا تفيه حقه، إنه باق يتراكم في أذهانكم، وفي أذهان عائلاتكم وجيرانكم في الحارة والجادة)، إن تجربة الفزع والترويع التي تفرزها عملية الاعتقال لكل من جرت في حضرته وطوفان اليأس والإنكار الذي يضرب المعتقل في آن معا يتعدى وصفه الكلمات.

 

في الأيام اللاحقة للاعتقال تسيطر الخاطرة التالية على المعتقل: لقد حدث حتما خطأ في اعتقالي وسيصححوه قريبا، ويحتفظ أغلب الناس ببصيص أمل، فلطالما كنت بريئا لا يعقل أن يأخذوني قط.

 

وألكسندر نفسه عايش تجربة اعتقال عبر ٨ سنوات مريرة في إحدى معتقلات الغولاج السوفيتية ليخرج لنا هذا الكتاب الذي أرخ فيه لمعاناة ضحايا الحقبة التي رغم بشاعتها وضخامة عدد ضحاياها الذي وصل إلى ١٥مليون إنسان، لم يصل عنها إلينا إلا القليل لدرجة جعلت الناجين يتلقفون هذا المؤلف كمصدر أثير للعزاء والمواساة.

 

غير أن هذا الكتاب يملك أهمية خاصة لنا أيضا، نحن الذين نحيا الآن انتشار (الوباء الاعتقالي) كإحدى متلازمات الحكم الشمولي، إذ إنه يساعدنا في بلورة الذهنية العامة التي تحكم طرفي عملية الاعتقال الضحايا وأفراد الأمن، ومن وراءهم المجتمع ككل.

 

وهو بذلك يقدمنا خطوة في التعامل المنهجي مع عمليات الاعتقال، التعامل الذي يهدف أساسا إلى التخفيف على الضحايا خلال هذه المحنة.

 

في ضوء ذلك، وفيما يلي سنحاول إجمال بعض ما يميز النظرية التي تحكم عمليات الاعتقال:

 

أولا: العشوائية

لا يوجد نمط محدد يحكم اختيارات عمليات الاعتقال، فما يبدأ كحملة ضد المعارضة يتحول إلى حرب الدولة ضد الكل، ويحدث هذا بشكل متعمد لوضع المجتمع في حالة ترقب وفزع حول من عساه يكون الضحية التالية.

 

ثانيا: تنوع ظروف الاعتقال

هناك الاعتقال النهاري أو الليلي، من المنزل أو العمل أو الطرقات، والاعتقال المتعدد أو لمرة واحدة،  والاعتقال الفردي أو كمجموعة.

 

ثالثا: الهمجية

فطريقة المداهمة المرعبة وتحطيم الأبواب والنوافذ والأثاث، العبث بالمتعلقات الشخصية، وتوجيه الإهانات الجسدية والشخصية للضحية ومن حوله، كل ذلك بنود في (بروتوكول) عملية الاعتقال.

 

رابعا: التفتيش

تهدف هذه الخطوة إلى إضفاء اللمسة النهائية على مسرحية إدانة الضحية، وذلك عن طريق الإيحاء بثقة العناصر الأمنية من كون الضحية مذنبا. ولأنه لا توجد جريمة بدون دليل (الجريمة التي لا يهم ما هي الآن) فإنه يجب تحريز شيء ما.

يروي سولنجستين كيف تم اقتحام أحد المختبرات العلمية لأحد العلماء والتحفظ علي المباضع الجراحية التي اعتبرت كأدوات خطرة وتم التحفظ عليها كدليل. في مصر حرزت أشياء كالمساطر والبالونات كأدلة جنائية.

 

خامسا: اللا منطق

إن الهدف الرئيس والمبدئي للاعتقال هو ببساطة الإيفاء بجلب الرقم المطلوب من المعتقلين والمحدد في الخطة الأمنية المرتبطة بظرف معين (ذكرى الثورة مثلا). بنظرة سريعة على الفئات العمرية والوظيفية لضحايا عمليات الاعتقال نكتشف عبثية التهم الموجهة ولا تبذل السلطات أي مجهود لترميم منطقية ما تفعل. إنه ببساطة غير منطقي، ومن المؤلم التفكير فيه بمنطقية.

أخيرا تصيب كتابة هذا المقال الهدف إن شكل بذرة لبدء عمل تحليلي لمنهجيات الاعتقال كخطوة نحو فهم آليات العمل داخل المؤسسات الأمنية، وتأسيسا عليه مساعدة الضحايا على تخطي هذه المحنة وأسرهم ليعودوا أعضاء أسوياء في المجتمع وغير ناقمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد