بعد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وما سيتبعها من سفارات دول أخرى، وما سيترتب على ذلك من تصفية للقضية الفلسطينية والتغيير الديمغرافي الكامل لمدينة القدس، والخطر الداهم على المسجد الأقصى، وما ظهر من تباين مواقف بين ردود هزيلة، وغير جادة، واعتراض باهت ممن تآمر على القدس طويلا، ومن تآمر في هذه الخطوة بعينها! وصرخات محدودة وشعور بمصاب جلل في حال ضعف شديد.. فلا بد من تذكر تلك الحقائق كالسهام التي تعرف طريق ضياع القدس، ومن ثم طريق الاسترداد.

يقول أحد المحللين السياسيين عن نقل سفارة أمريكا إلى القدس: كيف لدولة أن تحدد عاصمة دولة أخرى! والجواب أنها ليست دولة أخرى؛ بل هي مندوب لها. (صح النوم سيدي).

زرع الغرب المسيحي إسرائيل في قلب الأمة الإسلامية؛ لتدير له مصالحه في المنطقة، ولتدمير المنطقة، ولتحقيق شوكة مانعة من التحامه، ولتكون قاعدة عسكرية متقدمة ولتحقيق مآرب أخرى محددة.. فأية مواجهة لا تكون فيها الأمة المسلمة حاضرة؛ بل أقطار علمانية مفتتة ومتنافرة ومتنكرة لثوابتها وتاريخها وحضارتها؛ فلا أمل فيها والخسارة محتومة.. فإسرائيل لا تعيش إلا في هذا الحال، واستمراره يعني المزيد من الحياة لها وتوفير بيئة عيشها.

لقد كان الإسلام ـ ولا يزال ـ حاضرا في عداء الغرب للمنطقة، وذلك واضح في فكرة قيام إسرائيل ورعايتها وتنفيذها، وتبادل أدوار حمايتها؛ فتغييب الإسلام، كهوية وشريعة وحضارة ودافع ومحدِد لطبيعة الصراع وموجه للصراع نفسه، وإخراجه من المعادلة جنون، لكن الجنون اليوم كثير!

تُشرف إسرائيل على الكيانات الناشئة بعد تفكك وحدة المسلمين ككيانات تقدم الهوية القُطرية على الإسلام (يهتف كل منهم: وطني أولا) ولا يرفعون هذه الشعارات لالتقاط الأنفاس لبناء بلادهم في طريق بناء الأمة وكجزء منها ـ يا ليت الأمر كذلك ـ بل يرفعون هذه الشعارات لكسر ثوابت الأمة، ولتبرير الخروج عن الالتزامات نحو الأمة، وللتخلي عن التزام عدم موالاة أعداء الأمة، ولتبرير قبول الصهاينة والتطبيع معهم، وللخروج عن منظومة الأمن القومي والإسلامي.

كما تُشرف إسرائيل على أن تكون هذه الكيانات علمانية بعيدة عن هذا الدين حتى لا يحضر الإسلام في الصراع وتعود البوصلة لاتجاهها الصحيح.. فتنتفض الأمة ضد عدوها التاريخي المادي المتعصب.

بينما في ظل كل هذا، فإسرائيل دولة دينية قومية متعصبة ومتطرفة؛ هويتها هي اليهودية ديانة وقومية، في الوقت الذي يحرم على المسلمين إقامة هويتهم الدينية.

بعد انقلاب 2013 ثار تساؤل قوي: هل تنصّرت قيادات الاتجاهات الدينية المنحرفة؟! والآن يبدو السؤال صِنوا للأول: هل تهودت القيادات الدنيوية والسياسية؟ فاجتمع للناس أمتا الضلال والغضب.. هذا يلبّس الدين ويبيعه وهذا يبيع الدنيا لصالح الصهاينة.. وقد قال الخاسرون في النار (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) فهذا للقيادات السياسية المنحرفة وذاك للقيادات الدينية المنحرفة.

صرّح الإسرائيليون أن ما تم قد كان بتنسيق كامل مع القيادات السياسية في القاهرة والرياض وأبوظبي، ودورهم هو ضبط انفعال شعوبهم، وإدانتهم واعتراضهم ليس شيئا جادا.. هذا ليس تحليلا عربيا، بل معلومة إسرائيلية!

نعم، فلكي يصل غلامٌ أو قِزم لملك أو رئاسة يبيع الدين في بلده ويبيع القدس على مستوى الأمة، إن أصحاب سعار شهوات الرئاسة يعرفون سبيل الخيانة كما يعرفون أبناءهم أو أشد!

يقول البعض أن الأنظمة خرجت من المعادلة، وهذا خطأ؛ فهي لم تخرج من المعادلة، بل هي حاضرة فيها، وبثقل، فقط هي في الطرف الآخر!

الأنظمة في الطرف الآخر ليس من اليوم، بل منذ قيامها ونشأتها ورعاية الغرب لها، لكن اليوم تعرٍ وظهور.

أصبح الواجب اليوم ملقى على عاتق الشعوب أن تواجه الغيبوبة والتزييف، وتواجه ضعفها وتشرذمها وغيابها عن المشهد، وأن تواجه أوضاعها الداخلية التي إن قامت بحلها حلّت بقية الأوراق، وتتابعت بقية السلسلة وأدركت ما فيها من قوة كامنة وقدرة على تغيير مجرى الأحداث.

يظن البعض أن هذه الدول (الأنظمة العربية) مسيرة بغير رغبتها مغلوبة على أمرها. وهذا غير صحيح، ففي حال الإخلاص، وحال وجود أنظمة تمثل شعوبها وتخلص لها، فيجب النظر إلى الموقف التركي والإيراني من قضية كردستان، حتى أنهم دفعوا الموقف في العراق للتغيير، وأبطلوا استفتاء كردستان ونتائجه، وأفشلوا مخططا كان سيكون شديد السوء، ومنفذا أكبر للصهاينة، وقد تم إبطاله، فعُلم أن القوى الإقليمية ـ لو أرادت ـ قد تستطيع إيقاف مؤامرات دولية وأمريكية للتفتيت أو الشرذمة أو الحروب، وتستطيع أن توقف تحركات مفصلية تضر بالمنطقة.

ولهذا فتراجُع اليوم وتقبل الأنظمة لقرار القدس عاصمة للصهاينة وعدم أخذ موقف ما فهذا ليس ضعفا من الأنظمة أو عدم قدرة، بل هو عدم رغبة وعدم إرادة، ذلك أنهم يعلمون أن هذا ثمنًا لوصول أفراد لشهوات وضيعة، وقد تقزّم من حولهم فأطاعوا! لا أدري كيف سيكتب التاريخ هذا!

السلطة الفلسطينية هي نسخة من الأنظمة التي كانت سببا في نشوء الكيان الصهيوني، ولهذا فإن رد فعلها أنها متمسكة بالتنسيق الأمني ومنع العنف! (أنعم وأكرِم، ونِعْم الرد!)

منذ لحظة المؤامرة وتدخل الجيوش العربية؛ نُزع من الفلسطينيين السلاح، وإلى الآن كذلك. وعلى هذا فلا بد من دعمهم، ولا بد أن تكون الأمة كلها ردءهم وعمقهم.

فمن تخلى عنهم متوهما أنها دولة يجب أن تباشر الدفاع عن نفسها فهو يقلب الحقائق.. فالقدس قضية أمة لا شعب بعينه، والشعب الفلسطيني نفسه لم يُسمح لم منذ البداية بامتلاك السلاح، ولكن الجيوش العربية اشترطت قبل دخولها عام 48 أن يكون بيدها السلاح وأن تجمعه من يد الفلسطينيين..! ولو دعموهم بالسلاح وأشرفوا على نضالهم فقط لكان الأمر أحسن بكثير.

واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وهي إسرائيل بتعبير ترامب، قامت كدولة على أنقاض أكثر من 50 مذبحة، فمن أجل التشريد والتهجير بقروا فيها بطون الحوامل وقتلوا الرجال العزل والنساء والأطفال، وأرغموا الكثير على الأكل من الفضلات الآدمية. وتركوا أفرادا يهربون ليرووا المأساة فيهرب الآخرون.. هؤلاء الوحوش الآدمية أصبحوا اليوم مثالا للتمدن والحضارة والديمقراطية.

والسبب في هذا الوصف أنهم يمثلون امتدادا للحضارة الغربية، والحضارة الغربية نفسها قامت على مذابح المستعمرات وقتل الملايين التى تعب الناس من عدّها، سواء في مستعمراتهم أو نشأة بعضها كأمريكا أو التعصب ضد المسلمين كما في الأندلس وسيبيريا والقرم والقوقاز وغيرها كثير، أو فيما بينهم كما في الحربين العالميتين!

والسبب الآخر هو أن استمرار القوة في يد أحد يعني القدرة على عرض الحقيقة كما يراها هو تزييفا وتزويرا ويملك عرضها؛ فـ من يملك القوة يملك الحقيقة

من يملك القوة يملك الحقيقة

(ويبقى المقهور مقهورا حتى يعجز عن كل من الانتصاف أو الصراخ.

ما زالت أجيالنا تنظر إلى جيل الستينات بأنه جيل الهزائم والنكبات، وأنهم يحملون عارا لا يزول. فهل يغير الجيل الحالي أوضاع المذلة التي كاد الرجال فيها أن يتواروا؟ أم ستذكرنا الأجيال القادمة بأننا جيل تم على يديه أفدح تسويات الاستسلام، وأسوأ صفقات الخيانة وأعظم خسارات الأمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس
عرض التعليقات
تحميل المزيد