«هو الأكثر موهبة بين أبناء جيلي».

بهذه الكلمات وصف الفنان فاروق الفيشاوي الفنان أحمد زكي.

قدرته البالغة على تجسيد الشخصية والدخول إلى أعماقها وكشف مكنوناتها دون اصطناع أو مبالغة في الأداء تفقد الشخصية أبعادها، بعبقرية فذة ينسج أحمد زكي بمهارة الفنان البارع أبعاد الشخصية التي يقدمها فلا ينتابك شك أنها هي الشخصية الحقيقية أو أنك ترى ممثلًا يؤدي دورًا ما، بل إنه شديد الملاحظة على التقاط التفاصيل ونسجها بشكل مبدع خلاب.

قدرته على إقناعك بأنه البريء والجاني والوزير والعاشق والرئيس لم تكن محض موهبة إنها كانت موهبة استثنائية وميزة خصه الله به.

كسر الإمبراطور فور وطئت قدمه سينما السبعينيات والثمانينيات الكثير من القواعد والتابوهات التي ظلت راسخة في أبجديات السينما المصرية والعربية لعقود، فأعطى مفهومًا جديدًا لدور البطولة بعيدًا عن مفهوم (الجان) فلم يكن الأكثر وسامة ولم يعتمد شكله وقوامه الممشوق وغير ذلك من شكل البطل في تلك الفترة فنازع أباطرة السينما واحتل الصدارة بين أبناء جيله متفوقًا على وسامة حسين فهمي ورشدي أباظة ومحمود ياسين التي احتلت البطولة.

استطاع زكي أن يخط لنفسه أسلوبه الخاص ومدرسته المميزة في الأداء ما مكنه من حل المعادلة الأصعب في تاريخ السينما وهي الإشادة من النقاد والجماهيرية الكبيرة، إذ ظلت هذه المشكلة بارزة في تاريخ السينما فإما أن تقدم محتوى لا يتقبله الجمهور بشكل كبير وسط إشادات النقاد أو العكس، استطاع أحمد زكي أن يقدم محتوى بالغ الأهمية وجديدًا في طرحه على السينما المصرية وسط تقبل كبير من الجمهور ليحصد بذلك العديد من الجوائز ويصبح النجم الأقوى في الأداء.

«ما يهمنيش أموت دلوقتي، ما يهمنيش أموت بعد 100 سنة، أنا يهمني لما أموت أفضل محافظ على مكانتي».

قال أحمد زكي هذه الجملة خلال تأديته فيلمه الأخير «حليم» لفتت نظري هذه الجملة وعندما بحثت عن مجمل أعماله مقارنة بأبناء جيله فوجئت أن زكي قدم أكثر من 50 فيلمًا وعملًا تلفزيونيًا وهو الرقم الأقل بالقطع مقارنة بعادل إمام ونور الشريف ومحمود عبد العزيز، لكن الرجل كان يراهن على بقاء أفلامه على مر الأزمان والأجيال فالمواضيع التي اختارها لأفلامه متجددة مع كل عصر وجيل وأصبحت أيقونة يشار إليها، لكن لماذا؟

حرص أحمد زكي على تقديم مواضيعه التي تلامس قلوب الناس وآمالهم وأحلامهم وأوجاعهم بعيدًا عن اللغة السائدة في السينما المصرية في ذلك الحين، والمبالغات المفرطة فيها ليؤسس مع عدد من المخرجين وبعض زملائه ما سمي بالواقعية الجديدة في السينما، فعبر عن أبرز مشاكل هذه المرحلة في تاريخ مصر وقدم شخصياتها للسينما دون إفراط أو تفريط فتقبلها الناس معتبرين أنها معبر عنهم ومتنفس عما يختلج بداخلهم من آلام وأحلام.

الإخلاص والصدق في الأداء هو كلمة السر التي دخل من خلالها أحمد زكي إلى قلوب الملايين.

في إحدى المقابلات التلفزيونية مع المخرج شريف عرفة قال إن أحمد زكي ليس ممثلًا محترفًا بالمعنى المتعارف عليه في أوساط السينمائيين لكنه مبهر في أدائه ويفاجئ المخرج وطاقم العمل بما هو فوق المتوقع. كان حالة فنية نادرة وموهبة صارخة لم تتواجد قبله في السينما المصرية وإلى الآن.

ذكر النجم نور الشريف في أحد اللقاءات أنه في بعض الأوقات يقيم نفسه بـ8/ 10 بينما يقيم أحمد زكي بـ10 /10.

تعامل أحمد زكي مع العديد من المخرجين الهامين في تاريخ السينما المصرية العربية أمثال محمد خان وعاطف الطيب وداود عبد السيد وغيرها من الأسماء التي شكلت أسلوبًا جديدًا ونمطًا مختلفًا في السينما في تلك الآونة، ما أطلق عليها المدرسة الواقعية في السينما.

كان عاشقًا لفنه حتى الجنون ما تسبب له ذلك في خسارة صحته وعائلته وأمواله فلم يكن من أصحاب الملايين بالرغم من الأموال الهائلة التي كان يتقاضاها على أفلامه فلم تكن المادة تعني له شيئًا.

أحب الكاميرا وعشقته فحلقا معًا في سماء النجومية. مات أحمد زكي خلال تصويره فيلم «حليم» في السابع والعشرين من مارس (آذار) من العام 2005 بعد صراع طويل مع السرطان لم يمنعه ذلك من تصوير آخر أفلامه وهو يصارع الموت حتى لقي ربه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أحمد زكي, فن, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد