«أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا» أو «الفن مرآة أوجاع المجتمع»، في زمان ومكان مثاليين نستطيع أن نطالب برفع تلك الشعارات، أما اليوم وفي زمن الربيع العربي وما بعده، فلا مكان إلاّ لعنوان واحد «السلطة الواحدة الأحد» أما الفن بوصفه إحدى البصمات الثقافية المميزة لتكوين المجتمعات فلم يعد إلاّ أداة تسخَّر لخدمة هيمنة السلطة في دهاليز أعماق الإنسان حتى دون أن يدري.

إنه ذلك النوع من الفن الصّانع للطّاغية، المصفق لعوجها، والمجمّل لقبحها الجَلي، ملصقًا جبهته ببلاطها دون أدنى حياء أو استحياء.

على صعيد آخر، لم يكن ليغب عن دهاء السلطة أن توفر تلك المساحة مدروسة الحدود والسقف والمدى من النقد في الفن المسيطر عليه، وهذا ما يُصطلح على تسميته بفن التنفيس، فما هذا إلاّ ترسيخ لإسكات صوت المطالبين بالحريات وإخماده، وفي حقيقة الأمر ما كان هذا النوع من الفنون إلا بوقًا جديدًا لسلطة تجيد المواربة وتستخرج الدّواء حتى من الدّاء.

وبين ذلك وذاك لم يكن ليخفى على الجمهور وجود الفنان الحقيقي العملة النادرة – قد يكون- لكنه كان موجودًا، ذلك القادر على تمرير رسائله من تحت مِشرط الرقيب المترصد للزلة والهفوة فيما يتعلق بولي النعمة الأكبر.

لكنه كان قدر الله فكانت تلك الثورات الكاشفة الفاضحة وأفضالها علينا ليس بكشف وحشية الأنظمة فحسب، إنما لتسقط معها أصنام كُثر وتميز الخبيث من الطيب.

وعلى غرار غرابة تفاصيل تلك الثنائية الشائكة بين الفن والسلطة، لن يكون من المستغرب حديثنا عن صناديق الفنانين السوداء في أدراج السلطات والأنظمة، تلك الصناديق القابلة للانفجار لحظة الخروج عن النص المتفق عليه أو حتى الاستيقاظ من نوم لا بدّ منه لتطبق السيطرة على الجميع.

أمّا اليوم ومع انتهاء زمن الرسائل ذات الوجوه المتعددة، طفا على السطح ذاك النوع من الفنانين وكأنهم طَلقة ببُعد ومعنى واحد بيد السلطان يستعملها في وجه العدو، وربما من كان يومًا حليفًا، ومن يدري لعلّ طلقة الأمس تعود فترجع مخزنها بتبدّل المواقف السياسية والولاءات والمصالح بين ليلة وضحاها، فمن هَجوناه بالأمس قد نتغنى بمجده بالغد، ضاربين بعرض الحائط قداسة الرسالة أو حتى وعي جمهور يتابع.

إنها السلطة لسان حالها دائم القول أنا ربكم الأعلى، وما وجدت لكم إلهًا سواي، فإما أن تمشي في ركابي حامدًا شاكرًا فضلي، أو تصبح ضحية من ضحاياي، فإني لا أعدم الوسيلة، ولعلّ التهميش والتجاهل أبسط صورها.

وفي خضّم كل هذا وفي وجه تلك الترسانة الإعلامية المُوجهة لصناعة الوهم وتصديره ولصقه بالعقل الجمعي واللاوعي الجماهيري بشكل غير مسبوق، لن يبقى لنا إلا أن نُعول على وعي الفرد المتلقي وإدراكه وحرفيته في التمييز بين الصورة وما بعد الصورة.

رحم الله عبد الرحمن الكواكبي عندما قال: «كلّما كان المستبد حريصًا على العسف احتاج إلى زيادة الممجدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى دقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان».

مما لا شكّ فيه أن للتمرد ثمنًا قد يفوق حياة من اختاره سبيلًا، وأن المواقف الأخلاقية حين تلصقك بوجع الشعب لا تتأتى إلاّ بالاعتقاد الحر الشريف دون اللهث وراء سؤال المكاسب والجدوى. حيث إن الفنان بوصفه إنسانًا قبل كل شيء يَعظُم بالموقف ويتضاءل بعدمه، أو حتى بالحياد الرمادي، أما نضال الشاشات المقرر سقفه بخطوط حمراء مسبقًا فقد يعرّي ما تبقى من ورقة التوت لكل من فشل في اختبار القيمة والرسالة والإنسانية قبل كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, الفن, رأي, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد