فن التمثيل

فن التمثيل

فن المحاكاة أو التشخيص أو التمثيل، هو أداة تغيير مهمة في حياة المجتمع المصري، كان البناء الدرامي للفن يعتمد على توضيح معنى الصراع بين الخير والشر، وأن سنة التدافع والمواجهة هي السائدة في الأعمال الدرامية، ومن خلال توضيح ذلك الصراع تتضح المواقف، ويتبين ثبات أهل القيم والمبادئ والأخلاق على مبادئهم، مهما تعرضوا له من ضغوطات الحياة، يتضح من خلال المعالجة الدرامية المواقف الإنسانية الراقية، مهما قست الحياة، يستمر حوار الصراع بين الخير والشر قائمًا ثم ينتصر الخير في نهاية الأحداث.

ومن خلال الحبكة الدرامية المتوازنة نستطيع أن نقرر أن الفن الجميل الهادف هو فن إنساني بالدرجة الأولى، يهتم بقيمة الإنسان وبنائه، ويبحث في داخله عن مناطق صراع الخير والشر، ويتحدث بلسان ذلك الصراع ليضع الإنسان أمام اختياراته، فلا يتركه حائرًا بين طريقين أحدهما سهل، لكنه يهبط بكيان الإنسانية «طريق الشر»، والآخر صعب ويلزمه مجاهدة النفس وتربيتها، وكبح جماحها في طلب احتياجاتها بأقصر الطرق، وإن كانت من طريق حرام، «طريق الخير».

هناك كثير من الأعمال الدرامية المتكاملة تحكي صراع الخير والشر ويتمكن الخير في النهاية وينتصر، منها صراع في الوادي، رصيف نمرة خمسة، وصراع علي ضفاف النيل، والفيلم الاجتماعي الزوجة الثانية، وغيرها الكثير من الأعمال الدرامية المتكاملة البناء الدرامي، يومًا بعد يوم حدثت انهيارات أخلاقية ومجتمعية ناتجة من انهيار الوضع السياسي الذي أصبح أحاديًّا، لا يقبل التعدد، ولو كان ظاهريًّا أو «ديكوريًّا» نتج من ذلك انهيارات في المعالجة الدرامية، وأصبحت معالجة أحادية تظهر سيطرة الشر وانهيار الأخلاق، وعدّ البلطجة شرفًا كبيرًا وبطلًا لا بد أن يكون موضع تقدير، وشهامة، وتقليد أيضًا.

ظهرت أعمال درامية كثيرة من إنتاج السبكي وغيره، لتهدم منظومة القيم والمبادئ والأخلاق في المجتمع المصري، ليتحول محمد رمضان إلى أسطورة فنية (مزيفة) ويرى نفسه «نمبر ون» مفتخرًا بذلك، وهو لا يدري وغيره من الممثلين والمنتجين كم أصابوا المجتمع المصري في مقتل.

لا مجال في تكوين المعالجة الدرامية الجديدة لمعنى صراع بين الخير والشر، وأن سنة التدافع والمواجهة هي أساسيات بناء الكون نفسه، فضلًا عن الدراما التي تحكي وقائع مجتمعية يومية، انتقلت سلوكيات البلطجة من الدراما المصريه إلى واقع الحياة اليومية في مصر، وانعكست بصورة رديئة أحدثت خللًا اجتماعيًّا كبيرًا، ودفعت بالشباب نحو التقليد والمحاكاة، ليصنع جيلًا جديدًا من البلطجية ومدمني المخدرات، في الأعمال الفنية الأخيرة، على مدار عشر سنوات مضت، أسقطت جيلًا كاملًا يتباهى بالانحراف سلوكيًّا وأخلاقيًّا، لدرجة دفعت بكثير من الشباب المنضبط أخلاقيًّا وسلوكيًّا إلى الانزواء وعدم إظهار السمت العام لأخلاقه وانضباطه.
ومع تزايد الاحتقان السياسي داخل مصر، أدى ذلك الاحتقان إلى تخلي كثير من الشباب عن تدينهم خوفًا من الملاحقة الأمنية، التي تتبع كل ملتزم أخلاقيًّا ودينيًّا، تحت اتهامات سابقة التغليف، وهو الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين.

قصة الفن وتأثيره في المجتمع قصة يطول معها الحديث؛ فقد اهتم بها الإمام حسن البنا اهتمامًا كبيرًا، وأفرد للفن مساحة واسعة من اهتماماته على اعتبار أهميته وسيلة للتربية والثقافة. أسس البنا مسرحًا للإخوان المسلمين وفرقًا مسرحية في كل محافظات مصر، وكان من أشهر ما قدموه مسرحية «جميل بثينة»، شارك فيها نجوم كبار هذا عن دلالة نجاح المسرحية من حيث التأليف، أما من حيث الحرفية المسرحية، فيكفي أن نقف على أسماء النجوم المشاركين في المسرحية، فمنهم: جورج أبيض، وأحمد علام، وعباس فارس، وحسن البارودي، وفتوح نشاطي، ومحمود المليجي. ومن العناصر النسائية: فاطمة رشدي، وعزيزة أمير. التقى الإمام حسن البنا بكبار الممثلين وقتئذ، وكان من بين هؤلاء الممثلين الفنان أنور وجدي، والفنان حسين صدقي، والفنان عمر الشريف.
تغيرت نظرة هؤلاء جميعًا إلى الإخوان المسلمين بعد لقائهم مع الأستاذ حسن البنا، قدموا أعمالًا فنية مجتمعية راقية، تساعد على نشر الفضيلة في المجتمع المصري، استخدم الإخوان المسلمون الفن وسيلة بناء مجتمعي قديمًا وحديثًا.

قدمت نقابة المهندسين المصرية كثيرًا من الأعمال الفنية على مسرح الدولة، وانتشر العمل الفني في الجامعات المصرية بصورة أكبر، تغيرت معه نظرة المجتمع إلى الفن، وأنه يمكن أن يكون وسيلة مؤثرة في بناء المجتمع، عندما تكون هناك إرادة للبناء والتغيير.

التقى الرئيس محمد مرسي، الرئيس الشهيد، أيضًا بالفنانين ليبعث إليهم رسالة طمأنة أن الفن الجميل الهادف من أولويات اهتمام الدولة المصرية المدنية القادمة، ولا تعارض مطلقًا بين الفن والمجتمع، لكن في النهاية وعبر متغيرات الأحداث السياسية، يبقى الفن الجميل الهادف رهن تغيرات السياسة واتجاهاتها، ومن يمتلك القرار السياسي يمتلك أدوات التغيير في المجتمع المصري.

تمر مصر بأحداث كبيرة أحدثت شروخًا اجتماعية أثرت سلبًا على كل مكونات المجتمع المصري وما تزال هناك آمال في التغيير رغم ضبابية المشهد السياسي المصري.

وإن غدًا لناظره لقريب، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد