كنت قد توقفت عن مشاهدة الأفلام منذ فترة تراوح الأسبوعين، خلال تلك الفترة قررت إثبات وجودي بعيدًا عن أي شيء خارجي، فقط التركيز على الذات ومحاورة الأنا بغية الوصول الى جواب لسؤالي الجوهري: ما نفعي في هذه الحياة؟

لكن عائقًا منعني من ذلك، كان عنقي يؤلمني لدرجة تمنعني من التركيز، هنا تذكرت بطل رواية الغريب لألبير كامي الذي برر إطلاقه للعديد من الرصاصات – في حين كانت تكفي رصاصة واحدة لردعه – اتجاه الشخص المتهم بقتله بارتفاع درجة حرارة الشمس! ألم عنقي جعلني افكر في احتمال إصابتي بالمرض الخبيث، ماذا لو كنت مصابًا بالسرطان، ما الجدوى من إثبات وجودي إذا كنت في آخر المطاف سأموت جراء مرض لعين! لماذا أفكر كثيرًا قبل إقحام نفسي في أية مغامرة جديدة ما دام وجودي من عدمه غير نافع؟ مثل بطل رواية الغريب أقترف جرمًا تحت ضغط الألم، يمر يومان يخف خلالهما الألم، أرجع إلى وعيي.. أندم.. أقول إن الألم يعلم.. لكنه في الحقيقة يدمر.

لا يمكن الرجوع إلى الوراء، ولذلك لا أؤمن بشيء اسمه الزمن، فهذا الأخير مرتبط فقط بالوجدان، ويستحيل إثبات وجوده المادي، قادني هذا التفكير إلى الجنون أو محاولة ادعائه، لذلك قررت أنني التواصل مع الذات يؤدي في نهاية المطاف إلى مشاكل نفسية، فالإنسان بحاجة إلى عوامل خارجية لإثبات وجوده، أشخاص.. أفلام.. كتب.. طبيعة… إلخ.

لذلك قررت مشاهدة الأفلام من جديد، وقد كان فيلم أجنحة الرغبة للمخرج الألماني فيم فينديرز أول ما شاهدته، ملاكان كاسييل ودامييل يراقبان البشر ويحاولان إرساء السلام الداخلي لكل منهم، لكن كاسييل لم يعد يكفيه دور المشاهد، إذ أراد ان يشعر ويلمس ويبكي وينزف دمًا كالبشر تماما، من يعرف بالملاحظة ليس كمن يعرف بالمغامرة، هكذا انطلق الملاك من الأعلى إلى الأسفل، من عالم الخلود إلى عالم الفناء، من أجل الحب.. نعم الحب قاده إلى تكسير القواعد، ويا له من ملاك محظوظ: أريد أن اعيش وحدتي معك وأن أسمح لك بمقاسمة نفسي معي، هذا ما قالته له لاعبة السيرك الفرنسية الجميلة قبل أن تضع قبلة على شفتيه فجرت أحاسيسه.

انتهى الفيلم، كانت ملامحي تبتسم، هزمت الأفكار السلبية، إذًا أنا كائن موجود.

كوني موجودًا لا يعني أنني سأكتفي بمراقبة تطور حياتي، فالإنسان متغير المزاج، اليوم عثرت على معنى الحياة، ومن يدري ماذا سيحدث غدًا! ربما أتلف ما حزته من إدراك! لا يمكنني التوقف عن التفكير، وهذا سر من أسرار الوجود، أطلعنا رينيه ديكارت على ذلك، لكن الوجود بحد ذاته لا يكفينا، فنحن نتطلع إلى ما هو أعمق من الوجود ذاته، كالتساؤل عن الخلود مثلًا؟ هل هو أمر حقيقي أم من صنع البشر! تساؤلات قد تقود المرء إلى الإلحاد، كما قد تؤدي به إلى تعزيز إيمانه، المهم من كل هذا وذاك أن الإنسان دائم التواجد ما دام سيفكر في إيجاد حل لمشكلة خارجة عنه، أما اذا تحول تركيز أفكاره إلى ذاته، فالنتيجة الحتمية لذلك لن تخرج في الغالب عن أمرين: الكآبة أو التعاسة.

الإنسان كائن فضفاض، يهمه كل شيء ولا يهمه أي شيء، يرغب في لكل ويرفض الكل بعد فترة من حيازته.

لذلك سأشاهد المزيد من الأفلام، وأقرأ الكثير من الكتب، لأنني لا أريد أن أفكر في ذاتي مع ذاتي، فذلك يسبب الألم لا غير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم نفس, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد