كل شيء يستمد جماله من الحق، فالعالم قد حاز الحسن الإلهي وظهر به وهو مرآة الحق، فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق وهو سبحانه الجميل. *محي الدين بن عربي 

 

الإنسان باعتباره كائنًا مبدعًا يعيش تجربة القيم الجمالية؛ مما يجعله كائنًا متميزًا يسعى إلى البحث عن الجمال في الطبيعة والفن، فإذا كانت القيم الجمالية تعطي معنى لحياة الإنسان، فإن المبدع هو الذي يعطي لهذا العالم القيم الجمالية التي تثير مشاعر المتعة والسلام الداخلي والذوق الفني، فالفن حسب الفيلسوف الألماني هيجل: «يمنح قيمة الموضوعات عديمة الدلالة في ذاتها ويحولها إلى موضوعات فنية وذلك بجعلها هدفًا له، وبإثارة انتباهنا إليها، ويلعب الفن الدور نفسه بالنسبة للزمان، فهو يحول موضوعات كانت في حالتها الطبيعة، عارضة وزائلة إلى موضوعات دائمة وخالدة». ولا بد أن نشير إلى أن الحكم الجمالي ليس ذاتيًّا محضًا ولا موضوعيًّا محضًا، بل يتداخل فيه عنصر الذاتية والموضوعية، وهو أيضًا مزيج من العقل والوجدان، وكون العمل الفني كونيًّا يعني أن هذا العمل يخضع لقواعد من جهة، وهو نتاج القدرة على التخيل والإبداع من جهة أخرى .

فالإبداع الفني يستدعي تجاوز كل ما هو مألوف ومعتاد للانفتاح على الأشياء، واكتشاف آفاق جديدة، ومن هنا كان الفن إبداعًا للقيم الجمالية بواسطة خيال المبدع، فالفن تمثل إنساني للطبيعة ومعاناة وجدانية وعقلية ومحاولة للسيطرة على الزمان والمكان والتمكن.

الأبعاد الوظيفية للفن

سواء كانت الحاجة إلى الفن هي حاجة عقلية حسب هيجل، أو كانت إشباعًا لرغبات مكبوتة حسب فرويد، أو رغبة في تحرير الإنسان، فإن للفن وظيفة مزدوجة، فردية واجتماعية في الوقت نفسه، فهو يملك سيطرة رائعة على نفوسنا حين يأخذ تجاربنا ليعرضها مرة ثانية أمام أعيننا، فيحرر نفسه وغيره من روابط الحياة العادية، ولا شك أن شعور الإنسان بالجمال دفعه إلى زخرفة الأدوات التي يستعملها ليظل الجمال ماثلًا أمامه؛ مما يجعله يشعر بالنشوة والمتعة والسعادة بالأشياء التي يصوغها ويشكلها في قوالب جميلة، ثم إن نمو الإحساس بالجمال لدى الإنسان، قد أكسب حواسه قدرات جديدة، جعلها تتحول إلى حواس إنسانية راقية، ويتم هذا التحول بفضل تزايد ثقافة الإنسان وإشباع معرفته، مثلًا تزايد قدرة عينيه على الاستمتاع بالمشاهد والألوان، والعمل الفني لا يعبر عن الواقع الإنساني فقط، بل إنه يبحث أيضًا عن المعنى للإنسان لكي يعطيه لحياته.

يرى بعض فلاسفة الفن -ومن بينهم مسلمون أيضًا- أن هذا الأخير يلعب دورًا مهمًا في تحقيق التوازن بين الإنسان والعالم الذي يحيا فيه، ومن أجل ذلك كان الفن ضروريًّا؛ لأنه وسيلة لربط الإنسان ببيئته، ومصدر من مصادر الإلهام والمتعة والراحة النفسية التي يستشعرها الإنسان حين تستجيب عواطفه مع شخصيات قصة أو رواية أدبية، أو تنفصل نفسه لرؤية لوحة فنية، أو لسماع ألحان موسيقية .

فالإنسان يرفض العزلة، ومن هنا كان حرصه على التخلص بواسطة فنونه من قيود وأغلال حياته الخاصة، والخروج من عالم ذاته إلى عالم أوسع وأرحب، تندمج فيه شخصيته بالعالم الذي يريد أن يزداد إدراكًا له، وعلى إذابة وانصهار فرديته في حياة مشتركة .

فإذا كانت وظيفة الفن هي إثارة العواطف البشرية، ومنح الذات القدرة على الاندماج في ما حولها، فإن للفن أيضًا وظيفة اجتماعية وثقافية، تتجلى في إلقاء الضوء على العلاقات الاجتماعية، ومساعدة الإنسان على رؤية الواقع الاجتماعي المتغير من جهة، وتلبية حاجيات الناس الروحية وإشباع حاجاتهم النفسية من جهة أخرى، وتنمية ذوقهم الفني والجمالي، فكما تقوم المنتجات الصناعية بوظيفتها في تلبية حاجياتنا المادية، كذلك تقوم المنتجات الفنية بدورها في إشباع رغباتنا المعنوية .

ويشهد تاريخ الفنون أن الفنان يقوم منذ القديم بتمثيل مجتمعه وثقافته، ويتحدث بلسانه ويوقظ وعي أفراده، وكمثال على ذلك كان شاعر الجزيرة العربية هو المتحدث والناطق الرسمي باسم القبيلة وقائدها الروحي، كما أن الحركة الرومانسية في أوروبا ثارت على القواعد الفنية الأرستقراطية، التي كانت تستبعد الموضوعات الشعبية، وهذا وجه من أوجه الوظيفة الاجتماعية والثقافية للفن، ولا يتردد البعض إلى الاتجاه نحو تصنيف الفنون انطلاقًا من النظر إلى الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها؛ نظرًا إلى أهميته الأبستمولوجية، وهذا يقال مثلًا: الفن البرجوازي والفن الاشتراكي والفن الإسلامي. على اعتبار أن لكل نوع وظائف ومعايير وقواعد فنية خاصة، فلا وجود إذن للفن من أجل الفن، بل كان للفن دائمًا وظائف تتمثل من خلال الأبعاد الفردية والاجتماعية والثقافية .

ارتباط الفن بالدين

قد يتوهم بعض الناس أن علاقة الدين بالفن علاقة نفور وخصام، لكنها في الحقيقة علاقة حميمية وتكاملية مثلها مثل علاقة الفلسفة بالشريعة، إذ إن الدين يبحث عن الحق وينهى عن الرذيلة ويحض على الفضيلة، والفن يبحث عن الجمال، ويفتح أعيننا وبصائرنا على منابع الرذيلة والفضيلة معًا، والعلم بهذه الينابيع من شأنه أن يقوّم سلوكنا من تلقاء نفسه بلا وعظ صريح، وهذا هو الجانب الأخلاقي من الفن، والدين بوصفه مفهومًا عامًا يتحلق حوله الفنانون لأنه يقدم الشوق الروحي الذي يسعى إليه الفنان، والعلاقة بين الدين والفن وطيدة وقائمة منذ القديم .
وخير دليل على انسجام المعتقد مع الفن هو ما كان يفعله النحاتون المسيحيون من التفنن في صنع التماثيل، وابتكار الموسيقى وإدخالها في ممارسات الإنسان الروحية، وتزيين مداخل الكاتدرائيات وجدران الكنائس برموز بارزة موضوعاتها مأخوذة من الكتاب المقدس ومن قصص الرسل والحواريين.
أما عند المسلمين، فتبدو واضحة من النصوص الدينية نفسها، إذ عندما عرض القرآن الكريم صورًا عن الجنة والنار كان ذلك بأسلوب جمالي خلاب يتوكأ على أدب العرب وفهمهم. وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم صور جمالية رائعة الوصف والإبداع، هدفت جميعها إلى الهداية والالتزام، وهو يغذي المياه الروحية للإنسان، والإسلام يحل الزينة ويصف الله سبحانه بالجمال، وفي الحديث الشريف «إن الله جميل يجب الجمال»، ولا ننسى أيضًا الأدب الصوفي الإسلامي الذي يشتمل على صور فنية وجمالية تأسر القلوب واﻷلباب من خلال التراث العرفاني الذي استوحى فلسفته من خلال الموجودات والمحسوسات، وأخرجها في قالب فني رائع.

ففلسفة الفن والجمال في الإسلام هو مفهوم أشمل بكثير، وأعمق من مجرد حصر الرؤية الجمالية في شيء محدود.

ومن هنا كان الفن أساسًا للفلسفة الجمالية، فالفن خلق وإبداع ومظهر من مظاهر الحضارة، وصيغة من صيغ التعبير عنها، بل إن كثيرًا من الباحثين والأكاديميين لا يترددون في البحث عن خصائص أمة ما، من خلال فنونها وثقافتها، وإذا عرفنا أن الفنان لا يعمل في فراغ، وإنما ينتمي إلى بيئة اجتماعية ثقافية خاصة، وفي أمة خاصة، وعصر معين، وأن مشاعره وميوله تلعب دورا مهمًا في تكييف العمل الفني الذي يبدعه؛ عرفنا سر تنوع اﻷساليب والمدارس الفنية عبر التاريخ الإنساني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

_ الفلسفة, فكر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد