هناك جدال ما زال قائمًا في أروقة الترجمة ونظرياتها حول مفهوم ماهية الترجمة وعناصرها المكونة لها. ولعل أهم ما تمخض عنه هذا الجدل أن الترجمة هي مسألة علم وفن، ثم مهارة وذوق. وهناك شبه إجماع على أن الترجمة علم وفن بالدرجة الأولى والأساسية.

يركز هذا البحث على مفهوم الترجمة كفن أولًا وآخرًا، فن اختيار الأسلوب الأنسب للترجمة. ولا يقصد هنا اختيار الألفاظ والعبارات المناسبة فحسب، بل اختيار كل شيء يخص ترجمة نص ما، بدءًا باختيار النص للترجمة، وطريقة الترجمة، والألفاظ، والعبارات، وأسلوب الفصاحة والعامية، والتراكيب والصيغ والبنى النحوية، والتعامل مع أساليب اللغة المختلفة كالتكرار، والتنويع ، والمبالغة، وغيرها، وفن التعامل مع المؤلف، وفن التعامل مع جمهور قراء الترجمة، وترجمة اللغة الحساسة ثقافيًّا ودينيًّا وسياسيًّا، وغير ذلك، وفن التعامل مع ترجمة السمات العروضية لاسيما في الشعر، وفن تعريب المصطلحات العلمية.

يهدف البحث إلى التنويه إلى قضية أساسية لا يستحضرها كثير من المترجمين عند قيامهم بالترجمة عمليًّا، وإن كانوا يمارسونها بشكل لاشعوري أثناء عملية سير الترجمة. يلفت هذا انتباه المترجم إلى بذل أقصى جهد ممكن لانتقاء الخيار الأنسب لنمط النص، وموضوعه، وسياقه، ومحيطه، وأساليبه اللغوية المختلفة، وانحيازاته، وما إلى ذلك.

مقدمة

عند الحديث عن الترجمة ومفهوم ماهيتها ومستوياتها وعناصرها المكونة لها، يتبادر إلى الذهن على الفور أن الترجمة علم وفن بالدرجة الأولى، ولا يتسنى لنا فهم الترجمة إلا من خلال هذين المكونين الرئيسيين. فالترجمة كعلم تتضمن الإلمام بمبادئ الترجمة، وأساسياتها، وأدبياتها، وطرقها، وخطوات سيرها عمليًّا بشكل عام، ومعرفة اللغتين اللتين يترجم المترجم منهما وإليهما. وهذه المعرفة اللغوية جزء أساسي من مهارات الترجمة، مما حدا ببيتر نيومارك (Peter Newmark) (1988) إلى عدها مكونًا أساسيًّا ثالثًا للترجمة ومستويات العمل عليها. أما الركن الثاني لماهية الترجمة فهو فهمها كفن. وكلمة «فن» هنا لا تختلف كثيرًا عن «أسلوب»، بمعنى أن الترجمة فن اختيار الأسلوب الأنسب للترجمة الخاص بصاحبه، أي المترجم.

أضاف نيومارك في العمل نفسه مكونًا رابعًا، وهو الترجمة كمسألة ذوق. وهي جزء من مفهوم الترجمة كفن، وتعبر عن الذوق الشخصي الخاص بالمترجم في تفضيله ترجمة جيدة معينة على قريناتها من الترجمات الجيدة (كترجمتنا لعبارة «He bit the dust» إلى: «خرَّ  صريعًا» التي فضلها المترجم على ترجمات أخرى لا تقل جودة أو دقة عن هذه الترجمة: «لقي مصرعه»، «أردي قتيلًا»، «لقي حتفه»).

في هذا البحث يقترح الباحث إعادة النظر في هذه العناصر المكونة للترجمة، وإعطاء الأولوية لمفهوم الترجمة كفن، أي فن اختيار الأسلوب الأنسب للترجمة من بين أساليب عدة متاحة للمترجم في اللغة. يحدث هذا إما شعوريًّا وإما لاشعوريًّا، بمعنى أن المترجم يختار ترجمته عن إدراك كامل باختياره لها عن سابق علم بأساليب أخرى غيرها متاحه له في اللغة، أو يختارها عن عدم إلمام بغيرها. وفي كلتا الحالتين يعد اختيار المترجم أسلوبًا وفنًّا. ويزعم الباحث أن كل أفعال المترجم وممارساته في الترجمة مسألة فن اختيار الأسلوب الأنسب لكل فعل أو ممارسة أو خطوة يقوم بها في عملية سير الترجمة.

يستعرض هذا البحث فن اختيار المترجم للأساليب المختلفة فيما يختص بعملية ترجمة نص ما برمتها، بدءًا باختيار النص المراد ترجمته، ومرورًا باختيار طريقة الترجمة الأنسب، والكلمات والعبارات، والتراكيب القواعدية، وأسلوب الفصاحة والعامية، والتكرار، والبلاغة، وما شابههما من الأساليب اللغوية/ المعجمية، والتعامل مع مؤلف النص الأصل، وجمهور قراء الترجمة، وفن ترجمة اللغة الحساسة دينيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، وفن اختيار المصطلح الأفضل في التعريب، إلى فن اختيار السمات الصوتية-العروضية في الترجمة.

1. فن الترجمة والأسلوب

بعد غياب طويل لمسألة تحديد علاقة الترجمة بالأسلوب على أسس واضحة في دراسات الترجمة التقليدية ونظرياتها، عكفت دراسات إنجليزية معاصرة حول الترجمة على بحث العلاقة الوطيدة بين المعنى والأسلوب في الترجمة. خلصت هذه الدراسات إلى أن الأسلوب في قلب المعنى، بل إن المعنى قائم على الأسلوب، ومتغير بتغيره. وعدم إدراك المترجم لذلك يؤدي إلى فقد جزء من المعنى بدرجات متفاوتة. من هذه الدراسات باللغة الإنجليزية كتاب بوسيه-بيير (Boase-Beier) (2006) بعنوان: Stylistic Approaches to Translation (مقاربات أسلوبية للترجمة)، وكتاب الباحث بعنوان: Cognitive Stylistics &The Translator (الأسلوبية المعرفية والمترجم) (2011).

تخلص هذه الدراسات – برغم قلتها – إلى أن أساس الترجمة المتمثل بارتكاز المعنى على الأسلوب. ولا يتحقق نقل المعنى في الترجمة إلى لغة أخرى إلا من خلال الأسلوب. ومفهوم الأسلوب هذا منوط بفن اختيار الكاتب/ المترجم للسمات الأسلوبية المختلفة من مجموع خيارات متاحة له من مكونات اللغة الأساسية: الألفاظ، والنحو، والأصوات، وعلم المقاصد (pragmatics)، وعلم الدلالة. (راجع المراجع الإنجليزية التالية لمزيد من التفاصيل: كارتر&ناش Carter & Nash) (1990؛ وسيمبسون Simpson) (2004؛ وليتش & شورتLeech & Short) (1981؛ وويلز (Wales) (1989)؛ وكريستال & ديفي(Crystal & Davy) (1969)؛ وكارتر (Carter) (1982)؛ وتولان (Toolan) (1998)؛ وغزالة (1995 / 1999 / 2011)؛ وغيرهم).

إذًا الأسلوب فن الاختيار، والفن أسلوب انتقاء الخيار الأنسب يقوم به المترجم كلما ترجم شيئًا. وهو موضوع بحثنا هذا فيما يأتي من نقاط. تشمل النقاط التالية عددًا من المسائل – لا كلها – التي تطرحها ترجمة نص أمام المترجم من خيارات، لعل مناقشتها تكون مدخلًا لمعالجة ما لم يرد من المسائل في البحث.

2. اختيار النص

إن أي نص يترجم إلى لغة أخرى هو في الأصل مختار من أنماط مختلفة من النصوص. وفي كل نمط من أنماط النصوص هناك خيارات أخرى متاحة للمترجم لكي يختار منها نصًّا معينًا دون سواه.

ويكون هذا النص ملبيًا لمعطيات معينة يحددها المترجم تتعلق بموضوع النص، وغرضه، ولغته، وأسلوبه، وخلفيته الإيديولوجية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو السياسية، أو حتى الدينية. وتختلف بالطبع هذه المعطيات من مترجم إلى آخر، وتختلف معها تقديراتها وحجمها ومداها. فهناك على سبيل المثال المترجم الذي يختار موضوع النص وفقًا لمعايير علمية، وآخر وفقًا لمعايير تجارية، وثالث وفقًا لمعايير تجارية، ورابع وفقًا لمعايير رسمية تحددها المؤسسة التي يعمل لها المترجم، وخامس ليس وفقًا لأية معايير. وينطبق هذا الاختيار على غرض النص ولغته، وأسلوبه، وخلفيته الثقافية، وغيرها.

3. فن اختيار طريقة الترجمة

يسعى المترجم عند العمل على نصه إلى أن يختار طريقة الترجمة المناسبة لنصه. هل هي طريقة الترجمة الحرفية للمعنى (لا للكلمات)(literal translation) – أو ترجمة الشكل المرادف (formal equivalence)- التي تعتمد الدقة في النقل بصرف النظر عن مدى أهمية ما ينقل؟ أم هي طريقة الترجمة الحرة (free translation) التي تعتمد نقل فحوى النص وأفكاره بأسلوب أقل التزامًا بالدقة في نقل كل شيء كما تفعل الترجمة الحرفية للمعنى؟ أم هي طريقة الترجمة الدلالية (semantic translation) التي ينصب فيها اهتمام المترجم على نقل معنى النص الأصل بحذافيره، وثقافته، وتعقيداته اللفظية والنحوية إلى اللغة الأخرى؟ أم هي طريقة الترجمة التخاطبية (communicative translation) – أو ترجمة الترادف الدينامي (dynamic equivalence) – التي تدين بالولاء لقارئ الترجمة وتلبية مطالبه المتمثلة بتبسيط الفهم، والتواصل معه، وتوجيه الخطاب له.

وإحداث الوقع ذاته الذي أحدثه النص الأصل على قرائه، وتحوير اللغة الثقافية وجعلها متاحة الفهم لقارئ الترجمة، وحلحلة التعقيدات اللفظية والنحوية تسهيلًا لقارئ الترجمة لفهم النص؟ أم هي طريقة الترجمة بتصرف (eclectic translation?)

والتي تعني مما تعني الترجمة الانتقائية التي تتكون من الإضافة، والحذف، والانتقاء الموجه للمترجم لأجزاء من النص، وتجاهله لأجزاء أخرى منه؛ لعدم ملاءمتها لغرضه أو للمؤسسة التي يترجم لها، مثلًا؟ أم هي طريقة ترجمة أسلوبية معرفية (cognitive stylistic translation) تعتمد منهج الأسلوبية المعرفية في مفهمة الأسلوب بغية سبر أعماق المعنى ونبش حقائقه الكامنة في أسلوب النص المعتمد من المؤلف؟ أم هي طريقة خليط من طرق الترجمة المختلفة؟

في الواقع تترجم معظم النصوص بتطبيق أكثر من طريقة عليها في أماكن مختلفة من النص نفسه. فبعض الجمل تتطلب دقة متناهية في النقل؛ نظرًا إلى أنها حول حقائق علمية، أو إحصائية، أو تاريخية، أو سياسية، أو ما شابه. لكن جملًا أخرى في النص نفسه لا تحتاج إلى نقل دقيق كالتكرار المبتذل، أو الكلمات والعبارات التي ليس لها أهمية كبرى في النص ولا يؤثِّر حذفها، أو تخفيفها، أو اختصارها على جوهر المعنى في النص.

صحيح أن النصوص في عمومها تفترض طريقة ترجمة معينة تكون هي الغالبة، لكن هذا لا ينفي إمكانية تطبيق طريقة ترجمة أخرى. فعلى سبيل المثال، يتطلب نص قانوني ترجمة حرفية دقيقة للمعنى وربما للكلمات. ففي نص وثيقة أكاديمية قانونية كانت أم غير ذلك، يرد في آخر الخطاب عبارة: «وأعطي هذه الوثيقة بناء على طلبه»، والتي تترجم بشكل حرفي ودقيق إلى: «He was given this certificate upon his request».

أحيانًا يُزاد على العبارة العربية عبارة أخرى هي: «ليستخدمها فيما تسمح به القوانين/ دون أدنى مسؤولية قانونية على الجامعة». عادة لا تترجم هذه العبارة نظرًا إلة عدم وجودها في اللغة الإنجليزية في سياق كهذا، ويكتفى بالعبارة الأولى. طريقة الترجمة هنا إذًا شذت عن الطريقة الأساسية الأولى، فهي أقرب إلى الترجمة التخاطبية أو الحرة التي تتبنى طريقة التعبير عن معنى العبارة في اللغة الهدف، أي الإنجليزية هنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد