كلمة المهرجان ربما تكون هي الكلمة الأفضل لوصف هذا النوع من الموسيقى. الذوق الشعبي يميل بشكل عام إلى المبالغة. الغرف الصغيرة المليئة بأشياء يمكن الاستغناء عن معظمها والديكورات التي تليق بقصر منيف والمحشورة حشرًا في شقة لا تتجاوز مساحتها سبعين مترًا على أفضل الأحوال.

الأفراح الشعبية أيضا بها نفس حس المبالغة. كانت الأفراح تعتمد على مسجل كبير وبعض الشرائط ثم مع التطور وانخفاض تكلفة استئجار منسق أغاني أصبح وجود أربعة وعشرين سماعة ضخمة أمرًا متعارفًا عليه. نفس الرحلة حدثت مع كماليات الفرح مثل الليزر وكرة الديسكو والدخان والفراشة والزينة وحتى البلالين الكبيرة في مدخل الفرح المزينة بالحروف الأولى من أسماء العروسين. يمكن تأجير كل هذا بسعر مناسب وحشره حشرًا في الحارة الصغيرة.

الهواتف المحمولة التي أصبحت متاحة للجميع خلقت حولها اقتصادًا ومهنًا جديدة، بدأت بمحلات للبيع وفنيي الصيانة وبالطبع أصحاب مقاهي الإنترنت الذين يقدمون خدمات تحميل النغمات. في الجيل القديم من الهواتف كان وضع النغمات يعني قطع أغنية كبيرة وتغيير صيغتها الإلكترونية وربما تعديل ترتيب المقاطع أيضا قبل وضعها على الهاتف. من مقاهي الإنترنت ظهرت المهرجانات. احتكاك العاملين في تلك الأماكن ببرامج تعديل الصوت وقطعه كان وراء ظهور تلك الموسيقى.

استغرق استقرار اسم المهرجانات وقتا ليس بالقصير. كانت هناك أسماء أخرى تحاول فرض نفسها مثل الكرنفال والمونديال وحتى الفيستيفال ولكنها لم تحظَ بنفس الشهرة. المشترك بين كل تلك الأسماء هو ميلها للمبالغة وتضخيم الحدث الذي هو حفل زفاف في الشارع.

يميل البعض إلى القول أن فن المهرجانات وريث لفن الغناء الشعبي وهو ما أعتقد أنه فرضية خاطئة. يجب التفريق هنا بين المطرب الشعبي والنبطشي. المطرب الشعبي هو فنان بالمفهوم الحديث، يغني أغانٍ بها وحدة في الموضوع ولها اسم ومعه مؤلفون وملحنون ويمر بعملية إبداعية بالمفهوم الحديث. هناك تراث لهذا الفن يعرفه المطرب الشعبي غالبًا، وبعضهم يشتهر خارج دوائره ويصبح جزءًا من الثقافة السائدة مثل أحمد عدوية ومحمد رشدي وحديثا محمود الليثي وطارق الشيخ وعبد الباسط حمودة.

النبطشي هو شخص يسهّل الحركة على المسرح ويوزع الأدوار والتحايا على الناس من أجل “النقوط”، شخص يحفظ الكثير من الجمل المسجوعة والفقرات الشهيرة من الأغاني الشعبية ويستطيع السيطرة على الفرح والمسرح. غالبا يكون النبطشي مرتبطًا بمنطقة معينة ونادرا ما يصبح هو نفسه نجمًا يُطلب بالاسم في الأفراح.

هناك أسماء يمكن تصنيفهم كنبطشية ولكنهم حققوا نجومية تتجاوز مناطقهم مثل رضا البحراوي صاحب الأغنية الأصلية لفيلم حلاوة روح وأسامة غالي صاحب الوسادة الخالية وأغانٍ أخرى تم استخدامها في المهرجانات بكثافة. أغاني النبطشي تفتقر لوحدة الموضوع ويغلب عليها طابع الارتجال والتفاعل مع الجمهور الموجود في الفرح.

يمكن القول أن المهرجانات هي نبطشي مسجل. يقوم أهل الفرح بتسجيل مهرجان لصاحب الفرح وتكون فيه تحايا لأبرز القادمين دون الحاجة إلى استئجار نبطشي ومسرح وإقامة فرح ضخم يسمى فرح حظ أو مجال وهو شيء عالي التكلفة خاصة عندما لا يكون “النقوط” مضمونا.

إحدى تسجيلات مجموعة المدفعجية على الإنترنت توضح كيف يقوم اثنان من أعضاء الفريق وهما كنكا والسويسي بالارتجال على موسيقى معدة سلفا مستخدمين جملًا محفوظة مسجوعة وهي مهارة النبطشي الأساسية.

المهرجانات كبديل أرخص للنبطشي حازت على شهرة كبيرة جعلتها جزءًا من الثقافة السائدة وظهرت في الأفلام والإعلانات بكثافة. ظهرت محاولات مبكرة للسطو على المهرجانات. واحدة من أوائل تلك المحاولات كانت مهرجان أنا نفسي بس في ريس والذي تم إصداره كجزء من حملة ترشيح خالد علي لرئاسة الجمهورية في مصر.

صناع المهرجان يحاولون من خلاله التحدث بلسان ما يعتقدون أنه الإنسان الشعبي البسيط الذي لا يملك أي انتماءات حزبية أو سياسية وإقناعه بانتخاب خالد علي باستخدام وسيط قريب منه وهو المهرجان. بالطبع ظهر المهرجان مفتعلًا وسيئا ولم يحقق أي شهرة لا في الاوساط التقليدية للمهرجانات ولا حتى في الثقافة السائدة:

جدير بالذكر هنا أن تلك المحاولات متبادلة. بمعنى أن شركات الإنتاج تحاول السطو على هذا النمط خاصة مع ارتفاع قيمته التسويقية ولكن مع تغيير طبيعته ليتلاءم مع الثقافة السائدة وفهمها للفن والموسيقى. فنجد في تلك المهرجانات وحدة للموضوع وتهذيب الكلام والكتابة مسبقا والتأليف والتلحين وبالطبع وضع بعض الرسائل والتيمات الدخيلة تماما على هذا النوع.

يحاول أيضا بعض رواد ومشاهير المهرجانات تقديم تجارب تغازل الثقافة السائدة وتحاول مناقشة قضايا بصوت الإنسان الشعبي البسيط، ليقوموا بطرح أنفسهم كمعبر عن الثقافة الشعبية وهموم أبنائها. الشهرة والمكسب لهما دور كبير لكن أيضا رغبة هؤلاء الرواد في تقديم أنفسهم كفنانيين وليس نبطشية.

أكثر تلك المحاولات فجاجة في رأيي كانت مهرجان سادات وففتي وفيلو أنا.

يظل هنا سؤال: هل يمكن تطوير المهرجانات من داخلها دون السطو عليها وتغيير بنيتها؟ أعتقد أن الإجابة هي نعم. كانت هناك محاولات مبكرة للكتابة خصيصًا للمهرجانات بنفس منطقها ومن خلال قاموسها كبديل عن تكرار أغانٍ مع بعض الجمل المسجوعة المحفوظة. إحدى المحاولات الجيدة المبكرة كان مهرجان بنات مدرسة عبد الناصر:

 

أعتقد أن مهرجان القمة وإسلام فانتا الذي كتبه ووزعه وغناه مجموعة الدخلاوية في الإسكندرية يعطي فكرة عما يمكن أن تكون عليه المهرجانات إن تم تطويرها من داخلها. المهرجان مكتوب مسبقا على يد حودة ناصر المعروف بشاعر الغية. لكن على عكس أغلب محاولات الكتابة للمهرجانات السابقة يستخدم هذا المهرجان منطق وقاموس المهرجانات بامتياز ويفهم المهرجان كنبطشي مسجل. يبدأ المهرجان بالحديث عن فرقتهم ثم شارعهم ومنطقتهم ثم تحية المناطق المجاورة ثم ذكر أهم الناس في التحايا الموجودة في آخر المهرجان ومن بينهم شخصان أو ثلاثة مسجونون يدعو لهم بفك الضيقة.

 

 

في النهاية ستظل محاولات السطو على اللون تتزايد مع ارتفاع قيمته وانتشاره، وبالطبع ستصاحب تلك المحاولات تغييرات بنيوية في الشكل والمضمون ستساهم في خلق نوع من المهرجانات مدجن ويناسب طبقات من خارج الدوائر التي أنتجت المهرجانات في المقام الأول.

هذا لا يعني بأي حال أن الشكل التقليدي سينتهي. طالما ظلت الحاجة إلى المهرجانات والتي فرضت وجودها منذ البداية موجودة. وحتى وإن تخلى المشاهير عن تلك الأشكال التقليدية وحاولوا طرح أنفسهم كفنانين ومعبرين عن الثقافة الشعبية، سيصعد آخرون لملء الفراغ الذي سيتركونه. وربما تكون وجود محاولات مثل ما فعلته مجموعة الدخلاوية وربما مجموعات أخرى أقل شهرة بداية لتطوير المهرجانات من داخلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد