تكلمنا في رسالتنا الرابعة عن علاقة الفن بالأخلاق، وفي رسائلنا الأسبق عن علاقة الوطيدة بجوانب الحياة، التي لا تنفصل أبدًا عنها، فعلاقة الفن بالأخلاق -كما قلنا- علاقة قوية وشديدة الأهمية، وإضافة.. فهي تظهر مدى تقبلنا لتغيرات المجتمع التي تؤدي إلى تغيرات أخلاقية وسلوكية أيضًا، فتظهر لنا «السينما» تلك العلاقة القوية، فتظهر صورتنا أمام العالم كما تظهر بدون إبهام أو تغيير، فلا داعي للإبهام أكثر، إذ إن صورتنا لا بد وأن تظهر بشكل مشرف يليق بنا حضاريًا ودينيًا، فديننا -الإسلامي- لا يقبل مثل تلك المشاهد السيئة التي توبخ وتشوه صورتنا، فكان هذا أهم ما اكتتبناه وتشاورناه في رسالتنا السابقة -الرسالة الرابعة- ورسالتنا يومنا هذا. تشاورنا عن علاقتها الوطيدة بالدين وأخلاقياته الراسخة دائمًا، إذًا فلا بد وألا تخلو مشاهد السينما من تلك المشاهد الفاضلة بالفعل في إظهار مبادئ وقوام ديننا في أي من الأفلام كطقوس العبادة أو مواقف ديننا منها أو من غيرها سواء أكان دينًا إسلاميًا أو مسيحيًا أو غير ذلك، وفي مشاهد أخرى يظهر رجل الدين بسبحة طويلة وجلباب مشدود يمثل زيهم الرسمي، وتظهرهم بشكل يليق بهم وبمكانتهم أحيانًا، ولكن في أحيان أخرى تشوه صورتهم وتوبخ أعمالهم. 

فلو بحثنا في أرشيف سينمانا، نجد في بعض الأفلام.. مثل «دم الغزال» نجد أن شخصًا -جسده محمود مغني- سيء الفعل والقول وبذيء اللسان وكان يفعل كل شيء سيء وبذيء طوال الفيلم فإذا به يكون جماعة إسلامية متشددة دون معرفة جوانب الدين الإسلامي الصحيحة، وإذا به يقيم حدود الله عن طريق خطأ لا صحة ويقيم «حد الله في قطع يد السارق» الذي جسد تلك الشخصية «عمرو واكد» ثم يتركه ملقى على الأرض طريح الجسد غارق الدماء، فيظهر بذلك صورة سيئة عن الدين وأصحابه وممثليه، دون أدنى مسؤولية بمدى خطورة تلك المشاهد على ارتداد بعض من أتباعه أو داخليه حديثًا! وبذلك كانت صورة عن «الدين والتشدد»، وفي مشاهد أخرى من نفس الفيلم، والذي تظهر فيه أعمال قتل بغير وجه حق لبطلة الفيلم «منى زكي» دون أدنى ذنب تقر به أو يقرها به أحد غيرها، فتظهر لنا السينما في ذلك المشهد مدى خطورة تلك الشخصيات الرديئة السيئة التي تدعي التشدد والتدين على حساب مصلحتهم الشخصية فقط!

دون مصلحة الإسلام، أيضًا في فيلم «حسن ومرقص» في قمة تداخل الأحداث وتأثر الشخصيات في بداية الفيلم وخاصة بعد المشهد الذي يظهر فيه «عادل إمام» و «عمر الشريف» في اجتماع يجمع بين المسلمين والمسيحيين، بذلك تظهر لنا أداتنا -السينما- مدى التسامح الديني دونًا عن أي فتنة طائفية بين مسلمينا ومسيحيينا! ثم تتصاعد وتتجاهل الأحداث أكثر، لنصل لتلك المشاهد التي حدث فيها تفجير «محلات عمر الرشيف» لتضامنه مع المسيحيين في وقت واحد من قبل الجماعات المتطرفة، وبنفس الصورة يظهر لنا ديننا على أنه سيء لا يحترم آراء وديانات الآخرين! 

وتظهر لنا السينما دائما صورة الأزهري المعتدل الذي يتوسط التشدد والتشديد أو الإفراط والتفريط، ففي آخر مشاهد الفيلم السابق في مثالنا -حسن ومرقص- يظهر لنا مشايخ الأزهر بزيهم الرسمي وهم يهاجمون المسيحيين في كل شيء، ففي هذا المشهد وفي أحد أهم وأشهر المساجد، الذي يقول فيه -متحدثًا عن المسيحيين وعدم الاختلاط بهم- بطله: «النظر في وجوههم حرام! والسلام عليهم حرام! والأكل معهم حرام! ومعاملتهم حرام.. حرام.. حرااااام!»، وإذا بمشهد مواز له في أحد الكنائس والذي يظهر فيه أحد مصلي الناس بالكنيسة وهو يحرض الناس على مدى أهمية التفرقة لا الاتحاد! ويحثهم على الخروج ضد المسلمين بعصبية شديدة، فإذا بكل منهم -المسلمين والمسيحيين- يخرجون ويتقابلون وتعاركون في مشهد يمثل قمة التداخل والصراع القائم في التفرقة العنصرية، ومع تصاعد الأحداث والتشاجر والتعارك الشديد بينهم، يعود «إمام والشريف» مجددا بعد صراعهم السابق وانفصالهم بعد خلافهم الشديد نظرًا لاختلاف ديانة كل منهم ويصافحوا بعضهما البعض ويمد كل منهما يده للآخر كي يتحدوا مرة أخرى فيظهر لنا «الشريف» المسلم المتدين الذي يتبع الوسطية وعدم الإفراط والتفريط، و«إمام» المسيحي الوطني الذي يأبى التفرقة، فيظهر بذلك مشهد مهم يظهر لنا مدى تأثير السينما على الدين، وبذلك لا بد وأن يتم مراعاة الدين والصراع القائم بدور وتأثير الدين علينا أو على المشاهد كي لا نشوه صورته بشكل مباشر أو غير مباشر دون وجه حق.. ونتشاور في رسالتنا السادسة. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد